Article
الدوافع الوظيفية للعنف الجنسي في علم النفس الاستخلافي
03 oct. 2026
أنطولوجية–نفسية–أخلاقية–عيادية في ضوء البرادايم الاستخلافي وبروتوكول TLRT بقلم: عبد السلام الزراع ملخص يقترح علم النفس الاستخلافي مقاربة متعددة المستويات لفهم العنف الجنسي، لا تختزله في الدافع الجنسي ذاته، ولا ترده إلى تفسير بيولوجي أو نفسي منفرد، وإنما يدرسه بوصفه سلوكًا عدوانيًا قد تتداخل في تشكيله الدافعية الجنسية مع الهيمنة، والتبرير المعرفي، والتنظيم الانفعالي، وتمثلات الذات والآخر، والسياق الاجتماعي والأخلاقي.
الدوافع الوظيفية للعنف الجنسي في علم النفس الاستخلافي
مقاربة
أنطولوجية–نفسية–أخلاقية–عيادية في ضوء البرادايم الاستخلافي وبروتوكول TLRT
بقلم: عبد السلام الزراع
ملخص
يقترح علم النفس الاستخلافي مقاربة متعددة المستويات لفهم العنف الجنسي، لا تختزله في الدافع الجنسي ذاته، ولا ترده إلى تفسير بيولوجي أو نفسي منفرد، وإنما يدرسه بوصفه سلوكًا عدوانيًا قد تتداخل في تشكيله الدافعية الجنسية مع الهيمنة، والتبرير المعرفي، والتنظيم الانفعالي، وتمثلات الذات والآخر، والسياق الاجتماعي والأخلاقي.
وينطلق النموذج الاستخلافي من فرضية مركزية مفادها أن الدافعية الغريزية ليست في ذاتها عدوانًا، وإنما تتحدد وظيفة الدافع بحسب البنية النفسية والأخلاقية التي تنظمه وتوجهه. وعندما تنفصل الدافعية عن المسؤولية والكرامة والمرجعية الأخلاقية، يمكن أن تتحول من طاقة مرتبطة بالتواصل والعلاقة إلى وسيلة للهيمنة أو الإذلال أو الانتقام أو الإشباع القهري.
ويعيد النموذج تفسير هذه العملية من خلال مجموعة من المفاهيم المركزية في البرادايم الاستخلافي، من بينها: أنطولوجيا الفطرة، والنموذج الهرمي للنفس، والأضلاع الثمانية، والمرجعية المتعالية، والنفس الأمارة، والنفس اللوامة، والتزيين والتسويل، والدين النفسي، والتحويل، والجسر السلوكي، وبروتوكول حرث المصالحة التحويلية (TLRT).
ولا يقدم هذا البحث هذه المفاهيم بوصفها حقائق تجريبية مثبتة سلفًا، بل بوصفها مكونات نظرية داخل نموذج استخلافي قابل للتطوير والاختبار.
1. مقدمة: من سؤال الشهوة إلى سؤال وظيفة السلوك
يمثل العنف الجنسي ظاهرة مركبة لا يمكن اختزالها في الرغبة الجنسية وحدها.
فوجود الدافع الجنسي لا يؤدي بصورة حتمية إلى الاعتداء، كما أن وجود الرغبة أو الاستثارة لا يعني وجود نزوع عدواني.
ومن هنا ينقل علم النفس الاستخلافي السؤال من:
«لماذا يرغب الإنسان في الجنس؟»
إلى سؤال أكثر تركيبًا:
«كيف يمكن أن تتحول الدافعية الجنسية، في ظروف معينة، من دافع إنساني قابل للتنظيم إلى وسيلة للهيمنة أو الإذلال أو الانتقام أو الإشباع القهري؟»
هذا التحول من محتوى الدافع إلى وظيفته يمثل نقطة انطلاق أساسية في المقاربة الاستخلافية.
فالسلوك لا يُفهم فقط من خلال ما يبدو عليه خارجيًا، وإنما من خلال الوظيفة النفسية التي يؤديها بالنسبة إلى صاحبه.
ومن ثم فإن الفعل الجنسي العدواني قد يحمل وظيفة تتجاوز الإشباع الجنسي المباشر، مثل:
- فرض السيطرة؛
- إثبات القوة؛
- الانتقام؛
- تنظيم الغضب؛
- التخلص من توتر داخلي؛
- إعادة إنتاج معتقدات سلطوية؛
- البحث عن إثارة أو إشباع قهري.
وبذلك لا يصبح السؤال:
«كم تبلغ شهوة المعتدي؟»
فحسب، بل:
«ما الذي يؤديه الاعتداء داخل البنية النفسية للمعتدي؟»
2. الأساس الأنطولوجي: الدافع الغريزي والطاقة الإنسانية
ينطلق علم النفس الاستخلافي من تصور للإنسان باعتباره كائنًا مركبًا من أبعاد غريزية ونفسية وعقلية وأخلاقية ووجودية، وليس مجرد جهاز بيولوجي يستجيب للمثيرات.
وفي هذا السياق، تُفهم الدافعية الجنسية باعتبارها جزءًا من الطاقة الحيوية للإنسان.
ولا يعني وصفها بالطاقة أنها «قوة مادية» محددة يمكن قياسها مباشرة، وإنما يشير إلى قدرة دافعية وانفعالية توجه السلوك نحو أهداف معينة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين:
الدافع الجنسي
والتوظيف العدواني للدافع الجنسي.
فالأول ظاهرة إنسانية طبيعية، بينما الثاني نمط سلوكي مرضي أو إجرامي بحسب السياق والمعايير المعتمدة.
وهذا التمييز يحمي النموذج من خطأ جوهري يتمثل في مساواة الجنس بالعنف.
3. الفطرة بوصفها إطارًا لتنظيم الدافعية
يقدم البرادايم الاستخلافي مفهوم الفطرة بوصفه أحد المكونات المركزية لفهم الإنسان.
وفي السياق النفسي، لا ينبغي التعامل مع الفطرة باعتبارها بنية عصبية محددة أو متغيرًا بيولوجيًا مثبتًا، وإنما باعتبارها مفهومًا أنثروبولوجيًا–أخلاقيًا داخل النظرية الاستخلافية.
ووفق هذا التصور، لا تكفي الدافعية وحدها لتحديد السلوك.
بل توجد منظومة من:
الدافع + الإدراك + الضمير + المرجعية + القرار + السلوك.
وبالتالي فإن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الدافع عن منظومة التنظيم هذه.
ويمكن تمثيل المسار السوي:
الدافعية → التنظيم → المسؤولية → العلاقة → الفعل
بينما يمكن أن يتخذ المسار المنحرف:
الدافعية → التبرير → اختزال الآخر → الهيمنة → الانتهاك.
ولا يعني هذا أن كل حالة عنف جنسي تمر حرفيًا بالمراحل نفسها؛ وإنما يمثل هذا نموذجًا نظريًا عامًا قابلًا للاختبار والتعديل.
4. الفجور باعتباره اختلالًا في وظيفة الدافع
يحتل مفهوم الفجور موقعًا خاصًا في النموذج الاستخلافي.
فالفجور هنا لا يستخدم فقط بوصفه حكمًا أخلاقيًا على السلوك، وإنما بوصفه مفهومًا يصف الانفصال عن المسار المنظم للدافعية.
وعليه: «ليست المشكلة في وجود الطاقة الغريزية، وإنما في انفصالها عن الغاية التي تنظم استخدامها.»
عندما تصبح الرغبة معيارًا مستقلًا عن إرادة الآخر وكرامته وحدود العلاقة، ينتقل الدافع من مجال العلاقة إلى مجال التعدي.
ومن هنا يصبح الاعتداء الجنسي، وفق النموذج، انحرافًا وظيفيًا في استخدام الدافعية.
5. النموذج الوظيفي الرباعي للعنف الجنسي
يقترح النموذج الاستخلافي أربعة مسارات وظيفية رئيسية يمكن أن تتداخل في السلوك العدواني الجنسي:
أولًا: وظيفة الإشباع
في بعض الحالات يكون الإشباع أو البحث عن الاستثارة جزءًا من الدافع.
لكن هذا العامل لا يكفي وحده لتفسير العنف.
ثانيًا: وظيفة الهيمنة
قد يصبح الاعتداء وسيلة لتحقيق شعور بالقوة أو السيطرة على الآخر.
وهنا يتحول:
الجنس من علاقة إلى سلطة.
ويتحول:
الآخر من ذات إلى موضوع.
ثالثًا: وظيفة التبرير
يحتاج استمرار السلوك العدواني إلى منظومة معرفية تسمح للفرد بتجاوز التناقض بين ما يفعله وما يعرفه عن القاعدة الأخلاقية.
وقد تتخذ هذه المنظومة صورًا متعددة، مثل:
- لوم الضحية؛
- إنكار الضرر؛
- اعتبار الآخر مستحقًا لما حدث؛
- تبرير السيطرة؛
- التقليل من خطورة السلوك.
وهنا يقترح النموذج مفهوم إخراس النفس اللوامة.
رابعًا: وظيفة التنظيم الانفعالي أو التفريغ
قد تؤدي مشاعر مثل الغضب أو الإهانة أو الإحباط أو العار دورًا في بعض الحالات.
لكن يجب التأكيد أن «التفريغ» فرضية وظيفية وليست تفسيرًا عامًا لجميع حالات العنف الجنسي.
6. الهيمنة: عندما يتحول الآخر إلى مجال لإثبات الذات
تمثل الهيمنة إحدى أهم الفرضيات الوظيفية في النموذج الاستخلافي.
فقد لا يكون الهدف الأساسي في بعض حالات الاعتداء هو الإشباع الجنسي، وإنما إنتاج حالة نفسية من:
السيطرة، والإخضاع، والامتلاك، وإثبات القوة.
ويعيد البرادايم الاستخلافي تفسير ذلك من خلال مفهوم اختلال علاقة الإنسان بالآخر.
فالإنسان المستخلف، وفق التصور الاستخلافي، لا يمتلك حق تحويل الآخر إلى وسيلة لتحقيق حاجته الخاصة.
ومن ثم فإن انتهاك جسد الآخر يمثل، في هذا المستوى، انهيارًا في مبدأ الأمانة والكرامة.
وهنا تتقاطع الرؤية الاستخلافية مع نتائج عدد من الدراسات النفسية التي وجدت أن القوة والغضب والسيطرة قد تدخل ضمن دوافع السلوك الجنسي العدواني، دون أن يعني ذلك أن جميع الحالات تشترك في الدافع نفسه.
7. تجريد الآخر من الإنسانية
يمثل اختزال الآخر إلى موضوع حلقة مركزية في النموذج.
فالعنف يصبح أكثر قابلية للوقوع عندما تتراجع في تمثيل الجاني صورة الآخر باعتباره:
- شخصًا مستقلًا؛
- صاحب إرادة؛
- صاحب حدود؛
- صاحب كرامة؛
- متأثرًا بالأذى.
في المقابل، يمكن أن يتحول الآخر إلى:
جسد، أو أداة، أو هدف، أو وسيلة للإشباع أو السيطرة.
ومن المنظور الاستخلافي، يمثل هذا التحول انهيارًا في مبدأ:
«تكريم الإنسان بوصفه إنسانًا.»
ولا ينبغي استخدام هذا المفهوم باعتباره تفسيرًا وحيدًا للعنف، وإنما بوصفه إحدى الحلقات المحتملة في النموذج الوظيفي.
8. التزيين والتسويل: المستوى الديني والمستوى النفسي
يضم البرادايم الاستخلافي مفهوم التزيين الشيطاني ضمن تفسيره لبنية الانحراف.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين:
المستوى الأول: المستوى الديني
يمثل الشيطان في الأنثروبولوجيا القرآنية عنصرًا غيبيًا يرتبط بالإغواء والتزيين والوسوسة.
المستوى الثاني: المستوى النفسي
يمكن دراسة العمليات النفسية المرتبطة بالسلوك من خلال مفاهيم قابلة للرصد، مثل:
- التبرير؛
- فك الارتباط الأخلاقي؛
- إعادة تفسير السلوك؛
- تحيز الانتباه؛
- الإنكار؛
- تقليل الضرر.
ولا ينبغي الخلط بين المستويين.
فالنظرية الاستخلافية تستطيع الاحتفاظ بالمستوى الديني، لكنها لا ينبغي أن تقدم العمليات النفسية المعروفة باعتبارها «إثباتًا علميًا» لوجود العامل الغيبي.
9. النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة: نموذج ديناميكي لا خريطة تشريحية
تستفيد المقاربة الاستخلافية من النموذج الهرمي القرآني للنفس.
لكن ينبغي التأكيد أن:
النفس الأمارة ليست منطقة دماغية.
و: النفس اللوامة ليست مرادفًا للقشرة الجبهية.
و: النفس المطمئنة ليست بنية عصبية محددة.
بل هذه مفاهيم نفسية–أخلاقية–روحية داخل النموذج.
يمكن استخدامها على المستوى الوظيفي لفهم:
الأمارة
النزوع إلى الإشباع والاستجابة للدافع.
اللوامة
المراجعة الأخلاقية والنقد الذاتي والشعور بالمسؤولية.
المطمئنة
حالة أعلى من التكامل والاستقرار والتوافق الداخلي.
وبذلك يستطيع النموذج الاستفادة من علم الأعصاب باعتباره مستوى تفسير إضافيًا دون اختزال البنية القرآنية في التشريح العصبي.
10. هل يمكن ربط النموذج بالبنية العصبية؟
يمكن اقتراح تناظرات وظيفية، لكن لا ينبغي تقديمها كهويات.
فعلى سبيل المثال، يمكن دراسة:
- التنظيم التنفيذي؛
- التحكم في الاندفاع؛
- معالجة المكافأة؛
- الاستثارة الانفعالية؛
- التعاطف؛
- اتخاذ القرار الأخلاقي.
وهذه عمليات ترتبط بشبكات عصبية متعددة.
لكن لا يصح القول إن:
الأمارة = الجهاز الحوفي
أو: اللوامة = القشرة الجبهية
لأن مثل هذه المساواة تتجاوز الأدلة المتاحة.
والصياغة العلمية الأدق هي:
«قد توفر علوم الأعصاب مؤشرات عن الآليات العصبية المرتبطة بالاندفاع والتنظيم الانفعالي واتخاذ القرار، ويمكن للنموذج الاستخلافي أن يستفيد منها بوصفها مستوى تفسير عصبيًا موازيًا، دون اختزال مفاهيمه الأنطولوجية والأخلاقية في مناطق دماغية محددة.»
11. الدين النفسي والطاقة الانفعالية المحتجزة
يقدم مفهوم الدين النفسي في البرادايم الاستخلافي إطارًا لفهم الشعور بالذنب والعار والمسؤولية والصراعات غير المحلولة.
لكن يجب التمييز بين:
الدين النفسي بوصفه بناءً نظريًا
و الطاقة المحتجزة بوصفها استعارة وظيفية.
فلا توجد مبررات علمية كافية للقول إن الصدمات أو الذنب أو الغضب تتخزن حرفيًا في الأنسجة كطاقة يمكنها لاحقًا أن تنفجر في صورة اعتداء.
لذلك يقترح النموذج استخدام مفهوم «الطاقة المحتجزة» بمعنى:
«تراكم انفعالي ومعرفي وسلوكي غير معالج قد يؤثر في التنظيم النفسي واتخاذ القرار والسلوك، بحسب خصائص الفرد والسياق.»
وهذه صياغة تسمح بالحفاظ على المفهوم الاستخلافي دون تحويل المجاز إلى حقيقة فسيولوجية.
12. الفصام الأخلاقي: مفهوم استخلافي لا تشخيص سريري
يستخدم البحث مفهوم الفصام الأخلاقي للدلالة على التباعد بين:
ما يعرفه الفرد بأنه صحيح
و ما يسمح لنفسه بفعله.
ولا يقصد بذلك اضطراب الفصام السريري.
ولهذا فإن الاستخدام الأكاديمي الأدق للمصطلح هو:
«الانقسام الأخلاقي الوظيفي.»
ويظهر عندما:
- يعرف الفرد القاعدة ولكنه يبرر خرقها؛
- يدرك إنسانية الآخر لكنه يختزله؛
- يدرك الضرر لكنه ينكره؛
- يشعر بالذنب لكنه يعيد تفسير الفعل لتجنب المسؤولية.
وهنا تصبح النفس اللوامة عنصرًا حاسمًا في النموذج؛ لأنها تمثل وظيفة المراجعة التي يمكن أن توقف السلسلة قبل تحول الدافع إلى فعل.
13. شبكة الأضلاع الثمانية: من النموذج الخطي إلى النموذج الشبكي
تتيح شبكة الأضلاع الثمانية داخل البرادايم الاستخلافي تصور النفس باعتبارها شبكة من القوى والعلاقات.
فالعنف الجنسي لا يُفترض أن ينتج من ضلع واحد.
بل يمكن أن ينشأ من تفاعل:
الدافعية + الفجور + ضعف المراجعة + التبرير + اختزال الآخر + الاستثارة + السياق + غياب التحويل.
وفي هذا النموذج يصبح «الضلع» علاقة وظيفية وليس مجرد عنصر منفرد.
ومن ثم يمكن تصور مسار الهبوط:
الأمارة → الفجور → التبرير → اختزال الآخر → العدوان.
ومسار التصحيح:
الوعي → اللوامة → الاعتراف → المسؤولية → الجسر السلوكي → التحويل.
أما «الشيطان» فيظل ضمن المستوى الغيبي للنموذج، بينما تُدرس العمليات النفسية المصاحبة له على المستوى القابل للملاحظة والاختبار.
14. المقارنة الإبستمولوجية
البعد| المقاربات الديناميكية| المقاربات البيولوجية| المقاربات النفسية المعاصرة متعددة العوامل| علم النفس الاستخلافي
الدافع| صراعات ودوافع لاواعية بحسب المدرسة| عمليات عصبية وبيولوجية| مجموعة دوافع وعوامل| دافعية ضمن منظومة فطرية وأخلاقية ووجودية
العنف| تعبير عن صراع أو دينامية| عوامل عصبية/هرمونية محتملة| متعدد العوامل| انحراف وظيفي في استخدام الدافع
الآخر| موضوع في بعض النماذج| كائن بيولوجي/اجتماعي| شخص ذو حقوق وحدود| إنسان مكرّم وذو حرمة
الأخلاق| متغير نفسي/اجتماعي| ليست محورًا أساسيًا| عامل معرفي وسياقي| مكوّن بنيوي في تنظيم الدافع
المسؤولية| تختلف باختلاف المدرسة| قد تتأثر بعوامل بيولوجية| مسؤولية مع مراعاة عوامل متعددة| مسؤولية أخلاقية وقانونية مع الاعتراف بالعوامل النفسية
المرجعية| ذاتية أو اجتماعية| مادية/طبيعية غالبًا| متعددة| مرجعية متعالية وفطرية وعقلية
العلاج| تفسير الصراع وتعديله| معالجة عوامل محددة| تقليل الخطورة وتعديل عوامل متعددة| إعادة التنظيم والتحويل والمصالحة والمسؤولية
ولا يعني هذا الجدول أن المقاربات الغربية وحدة واحدة أو أنها تختزل العنف في تفسير واحد؛ بل إن علم النفس الجنائي المعاصر يعتمد نماذج متعددة العوامل.
وتتمثل خصوصية النموذج الاستخلافي في المستوى الأنطولوجي والمرجعي والأخلاقي الذي يعيد من خلاله تركيب هذه العوامل.
15. بروتوكول TLRT: من تفسير الانحراف إلى التحويل
إذا كان النموذج الاستخلافي يفسر السلوك، فإن TLRT يمثل محاولة لنقل النظرية إلى مستوى التدخل.
ولا يعني ذلك أن البروتوكول مثبت سريريًا لمجرمي العنف الجنسي؛ فهذا يتطلب تجارب ودراسات مستقلة.
بل يمكن تقديمه في مرحلته الحالية باعتباره:
«إطارًا علاجيًا–نظريًا يحتاج إلى التحقق التجريبي قبل اعتماده علاجًا مثبت الفعالية لهذا النوع من الاضطرابات أو السلوكيات.»
16. المرحلة الأولى: التشخيص الوظيفي
لا يبدأ TLRT من سؤال:
«ما المرض؟»
فقط.
بل يضيف:
«ما الوظيفة التي يؤديها السلوك؟»
ويبحث عن:
- الدافع الجنسي؛
- دافع السيطرة؛
- الغضب؛
- الانتقام؛
- الإذلال؛
- الاستثارة؛
- التبرير؛
- العوامل السياقية؛
- عوامل الحماية؛
- عوامل الخطورة.
وهذا يسمح ببناء صياغة فردية بدل افتراض وجود نموذج واحد لجميع المعتدين.
17. المرحلة الثانية: تفكيك التبرير
يتم تحليل الأفكار التي تسمح للسلوك بالاستمرار:
ما الذي يعتقده الفرد عن نفسه؟
ما الذي يعتقده عن الضحية؟
كيف يفسر الرفض؟
كيف يفسر القوة؟
كيف يقلل من الضرر؟
ما الذي يمنعه من الاعتراف الكامل بالمسؤولية؟
ويصبح الهدف ليس إذلال الفرد، وإنما تفكيك البنية المعرفية التي تسمح بإعادة إنتاج السلوك.
18. المرحلة الثالثة: استعادة النفس اللوامة
لا تهدف اللوامة إلى إنتاج جلد الذات.
فالذنب الذي لا ينتج إصلاحًا يمكن أن يتحول إلى:
عار → دفاع → إنكار → تبرير.
أما الذنب التحويلي فيتحول إلى:
اعتراف → مسؤولية → إصلاح → التزام.
وهنا يتمايز النموذج الاستخلافي عن المقاربات التي تجعل العقاب النفسي غاية في ذاته.
19. المرحلة الرابعة: الجسر السلوكي والتحويل
يمثل الجسر السلوكي إحدى أهم الإضافات التطبيقية في المشروع.
فالتحول لا يكون بمجرد:
«أنا نادم».
بل: «ما السلوك الذي يثبت أنني تغيرت؟»
ومن هنا:
الندم → مسؤولية → فعل إصلاحي → ممارسة متكررة → بناء نمط جديد.
ويمكن أن تشمل هذه المرحلة، بحسب الحالة والتقييم السريري:
- ضبط المثيرات عالية الخطورة؛
- تطوير مهارات التنظيم الانفعالي؛
- إعادة بناء الحدود؛
- التدريب على التعاطف؛
- تفكيك معتقدات الهيمنة؛
- تطوير بدائل للسلوك العدواني؛
- بناء خطة لمنع الانتكاس.
وهنا يصبح مفهوم «التحويل» مفهومًا سلوكيًا وليس مجرد استعارة روحية.
20. المرحلة الخامسة: المرجعية المتعالية
تمثل المرجعية المتعالية في النموذج الاستخلافي معيارًا يتجاوز الرغبة الذاتية.
فالقاعدة المركزية هي:
«ليست كل رغبة مبررًا للفعل.»
و:«وجود القدرة لا يعني امتلاك الحق.»
و:«كرامة الآخر ليست رهينة برغبة الذات.»
ومن هنا تصبح المرجعية المتعالية، في النموذج، آلية لتقييد التمركز حول الذات وإعادة تنظيم علاقة الإنسان برغباته والآخرين.
لكن ينبغي اختبار هذا البناء تجريبيًا بدل افتراض أن ارتفاع التدين أو الروحانية يؤدي بالضرورة إلى انخفاض العنف.
21. المرحلة السادسة: المسؤولية والمساءلة
هذه مرحلة لا يمكن حذفها من أي نموذج علاجي للعنف الجنسي.
فالمصالحة لا تعني الإعفاء من المسؤولية.
والتوبة لا تعني إلغاء حقوق الضحية.
والتحول الروحي لا يلغي:
- القانون؛
- حماية الضحايا؛
- تقييم الخطورة؛
- منع إعادة الاعتداء؛
- العلاج المتخصص عند الحاجة.
وبالتالي فإن:
«المصالحة التحويلية ≠ التسامح غير المشروط مع السلوك.»
بل:«المصالحة التحويلية = اعتراف + مسؤولية + إصلاح + تغيير سلوكي + حماية الآخرين.»
22. فرضيات البحث المستقبلية
يمكن تحويل النموذج إلى برنامج بحثي تجريبي من خلال اختبار مجموعة من الفرضيات:
الفرضية الأولى
ترتبط معتقدات الهيمنة الجنسية بدرجات أعلى من التبرير المعرفي للعنف الجنسي.
الفرضية الثانية
يرتبط ضعف التنظيم الانفعالي بارتفاع بعض مؤشرات السلوك الجنسي القسري بعد التحكم إحصائيًا في المتغيرات ذات الصلة.
الفرضية الثالثة
يرتبط اختزال الآخر أو انخفاض التعاطف ببعض مؤشرات العدوان الجنسي.
الفرضية الرابعة
يمكن أن تتوسط التبريرات المعرفية العلاقة بين بعض الدوافع أو المعتقدات والسلوك العدواني.
الفرضية الخامسة
قد تعمل «المرجعية المتعالية» كعامل وقائي، إذا أمكن تعريفها وقياسها بصورة سيكومترية مستقلة.
الفرضية السادسة
قد يؤدي تدخل TLRT، بعد تطويره واختباره تجريبيًا، إلى تحسين مؤشرات المسؤولية والتنظيم الانفعالي وانخفاض المعتقدات الداعمة للعنف.
لكن هذه كلها فرضيات بحثية وليست نتائج مثبتة.
23. الضبط السيكومتري للنموذج
إذا أراد علم النفس الاستخلافي تحويل هذا النموذج إلى نظرية قابلة للاختبار، فإنه يحتاج إلى تحويل المفاهيم إلى متغيرات قابلة للقياس.
فعلى سبيل المثال:
المرجعية المتعالية
يمكن تعريفها إجرائيًا باعتبارها قدرة الفرد على استخدام معيار متجاوز للمنفعة الذاتية في تنظيم القرار والسلوك.
اختزال الآخر
يمكن تعريفه إجرائيًا من خلال مؤشرات تقيس:
- نزع الإنسانية؛
- اعتبار الآخر أداة؛
- تجاهل استقلاليته؛
- تبرير انتهاك حدوده.
التبرير الأخلاقي
يمكن قياسه من خلال بنود تقيس:
- لوم الضحية؛
- إنكار الضرر؛
- تقليل المسؤولية؛
- تبرير الهيمنة.
أما الجسر السلوكي فيمكن تحويله إلى مؤشرات سلوكية تتعلق بالقدرة على الانتقال من الاعتراف بالخطأ إلى الفعل الإصلاحي.
وبذلك تنتقل النظرية من:
المفهوم → إلى التعريف الإجرائي → إلى المقياس → إلى الاختبار → إلى النموذج الإحصائي.
24. حدود النموذج
لكي يكون البحث أكاديميًا، ينبغي الاعتراف بحدوده.
أولًا، لا يمكن افتراض وجود سبب واحد للعنف الجنسي.
ثانيًا، لا يمكن اعتبار كل معتدٍ جنسيًا واقعًا تحت نمط نفسي واحد.
ثالثًا، لا يمكن تحويل المفاهيم القرآنية إلى تشخيصات سريرية دون بناء نظري وتجريبي مستقل.
رابعًا، لا يمكن اعتبار «الطاقة المحتجزة» مفهومًا فسيولوجيًا مثبتًا.
خامسًا، لا يمكن إسناد النفس الأمارة أو اللوامة أو المطمئنة إلى مناطق دماغية محددة.
سادسًا، لا يمكن اعتبار TLRT علاجًا مثبتًا للعنف الجنسي قبل إجراء دراسات تجريبية محكمة.
وسابعًا، ينبغي ألا تستخدم النظرية لتفسير الضحية أو تحميلها مسؤولية الاعتداء.
25. القيمة النظرية المحتملة للنموذج الاستخلافي
لا تكمن الأصالة المحتملة لهذا النموذج في اكتشاف أن العنف الجنسي قد يرتبط بالقوة أو الغضب أو التبرير؛ فهذه موضوعات درستها بالفعل مدارس متعددة في علم النفس الجنائي.
وإنما تكمن الأصالة النظرية المحتملة في إعادة تركيب هذه المتغيرات داخل أنطولوجيا مختلفة للإنسان.
فالنموذج الاستخلافي يقول:
الدافع ليس عدوًا.
بل هو طاقة تحتاج إلى تنظيم.
و:الأخلاق ليست طبقة خارجية تضاف إلى النفس.
بل جزء من تنظيمها.
و:الآخر ليس موضوعًا للإشباع.
بل ذات إنسانية ذات كرامة وحدود.
و:المسؤولية ليست نقيضًا لفهم الأسباب النفسية.
بل يمكن الجمع بين فهم الأسباب وتحميل الفرد مسؤولية أفعاله ضمن الإطار القانوني والأخلاقي المناسب.
و:العلاج ليس مجرد كبح السلوك.
بل ينبغي أن يستهدف البنية التي تمنح السلوك وظيفته، مع حماية الآخرين ومنع إعادة الاعتداء.
الخلاصة
يمكن تلخيص الأطروحة المركزية للبحث في الصيغة التالية:
«يفترض علم النفس الاستخلافي أن العنف الجنسي لا ينبغي اختزاله في الدافع الجنسي ذاته، وإنما يمكن فهمه بوصفه انحرافًا وظيفيًا في استخدام الدافعية داخل منظومة نفسية وأخلاقية ووجودية معقدة. وقد تتداخل في هذا الانحراف وظائف الإشباع والهيمنة والتبرير والتنظيم الانفعالي، مع اختزال الآخر وإضعاف المراجعة الأخلاقية. ويقترح البرادايم الاستخلافي فهم هذه العملية من خلال مفاهيم الفطرة، والنفس الأمارة واللوامة والمطمئنة، والمرجعية المتعالية، والأضلاع الثمانية، والدين النفسي، والجسر السلوكي والتحويل. ولا يقدم هذه المفاهيم باعتبارها حقائق تجريبية مثبتة مسبقًا، وإنما باعتبارها بنية نظرية يمكن تحويلها إلى فرضيات ومقاييس واختبارات تجريبية. ومن هذا المنطلق يمثل TLRT محاولة لنقل النموذج من التفسير إلى التدخل، عبر مسار يجمع بين كشف الوظيفة النفسية للسلوك، وتفكيك التبرير، واستعادة المسؤولية، والتحويل السلوكي، وإعادة بناء المرجعية، مع عدم إلغاء المساءلة القانونية أو متطلبات حماية الضحايا ومنع إعادة الاعتداء.»
وبذلك يمكن أن تتمثل الإضافة النوعية للمنظور الاستخلافي في الانتقال من:
««ما الذي يدفع الإنسان إلى الاعتداء؟»»
إلى:
««كيف تنحرف وظيفة الدافع عندما ينفصل الإنسان عن منظومة الفطرة والمرجعية والضمير والكرامة والمسؤولية، وكيف يمكن إعادة تحويل هذه الطاقة إلى سلوك مسؤول؟»»
مقاربة
أنطولوجية–نفسية–أخلاقية–عيادية في ضوء البرادايم الاستخلافي وبروتوكول TLRT
بقلم: عبد السلام الزراع
ملخص
يقترح علم النفس الاستخلافي مقاربة متعددة المستويات لفهم العنف الجنسي، لا تختزله في الدافع الجنسي ذاته، ولا ترده إلى تفسير بيولوجي أو نفسي منفرد، وإنما يدرسه بوصفه سلوكًا عدوانيًا قد تتداخل في تشكيله الدافعية الجنسية مع الهيمنة، والتبرير المعرفي، والتنظيم الانفعالي، وتمثلات الذات والآخر، والسياق الاجتماعي والأخلاقي.
وينطلق النموذج الاستخلافي من فرضية مركزية مفادها أن الدافعية الغريزية ليست في ذاتها عدوانًا، وإنما تتحدد وظيفة الدافع بحسب البنية النفسية والأخلاقية التي تنظمه وتوجهه. وعندما تنفصل الدافعية عن المسؤولية والكرامة والمرجعية الأخلاقية، يمكن أن تتحول من طاقة مرتبطة بالتواصل والعلاقة إلى وسيلة للهيمنة أو الإذلال أو الانتقام أو الإشباع القهري.
ويعيد النموذج تفسير هذه العملية من خلال مجموعة من المفاهيم المركزية في البرادايم الاستخلافي، من بينها: أنطولوجيا الفطرة، والنموذج الهرمي للنفس، والأضلاع الثمانية، والمرجعية المتعالية، والنفس الأمارة، والنفس اللوامة، والتزيين والتسويل، والدين النفسي، والتحويل، والجسر السلوكي، وبروتوكول حرث المصالحة التحويلية (TLRT).
ولا يقدم هذا البحث هذه المفاهيم بوصفها حقائق تجريبية مثبتة سلفًا، بل بوصفها مكونات نظرية داخل نموذج استخلافي قابل للتطوير والاختبار.
1. مقدمة: من سؤال الشهوة إلى سؤال وظيفة السلوك
يمثل العنف الجنسي ظاهرة مركبة لا يمكن اختزالها في الرغبة الجنسية وحدها.
فوجود الدافع الجنسي لا يؤدي بصورة حتمية إلى الاعتداء، كما أن وجود الرغبة أو الاستثارة لا يعني وجود نزوع عدواني.
ومن هنا ينقل علم النفس الاستخلافي السؤال من:
«لماذا يرغب الإنسان في الجنس؟»
إلى سؤال أكثر تركيبًا:
«كيف يمكن أن تتحول الدافعية الجنسية، في ظروف معينة، من دافع إنساني قابل للتنظيم إلى وسيلة للهيمنة أو الإذلال أو الانتقام أو الإشباع القهري؟»
هذا التحول من محتوى الدافع إلى وظيفته يمثل نقطة انطلاق أساسية في المقاربة الاستخلافية.
فالسلوك لا يُفهم فقط من خلال ما يبدو عليه خارجيًا، وإنما من خلال الوظيفة النفسية التي يؤديها بالنسبة إلى صاحبه.
ومن ثم فإن الفعل الجنسي العدواني قد يحمل وظيفة تتجاوز الإشباع الجنسي المباشر، مثل:
- فرض السيطرة؛
- إثبات القوة؛
- الانتقام؛
- تنظيم الغضب؛
- التخلص من توتر داخلي؛
- إعادة إنتاج معتقدات سلطوية؛
- البحث عن إثارة أو إشباع قهري.
وبذلك لا يصبح السؤال:
«كم تبلغ شهوة المعتدي؟»
فحسب، بل:
«ما الذي يؤديه الاعتداء داخل البنية النفسية للمعتدي؟»
2. الأساس الأنطولوجي: الدافع الغريزي والطاقة الإنسانية
ينطلق علم النفس الاستخلافي من تصور للإنسان باعتباره كائنًا مركبًا من أبعاد غريزية ونفسية وعقلية وأخلاقية ووجودية، وليس مجرد جهاز بيولوجي يستجيب للمثيرات.
وفي هذا السياق، تُفهم الدافعية الجنسية باعتبارها جزءًا من الطاقة الحيوية للإنسان.
ولا يعني وصفها بالطاقة أنها «قوة مادية» محددة يمكن قياسها مباشرة، وإنما يشير إلى قدرة دافعية وانفعالية توجه السلوك نحو أهداف معينة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين:
الدافع الجنسي
والتوظيف العدواني للدافع الجنسي.
فالأول ظاهرة إنسانية طبيعية، بينما الثاني نمط سلوكي مرضي أو إجرامي بحسب السياق والمعايير المعتمدة.
وهذا التمييز يحمي النموذج من خطأ جوهري يتمثل في مساواة الجنس بالعنف.
3. الفطرة بوصفها إطارًا لتنظيم الدافعية
يقدم البرادايم الاستخلافي مفهوم الفطرة بوصفه أحد المكونات المركزية لفهم الإنسان.
وفي السياق النفسي، لا ينبغي التعامل مع الفطرة باعتبارها بنية عصبية محددة أو متغيرًا بيولوجيًا مثبتًا، وإنما باعتبارها مفهومًا أنثروبولوجيًا–أخلاقيًا داخل النظرية الاستخلافية.
ووفق هذا التصور، لا تكفي الدافعية وحدها لتحديد السلوك.
بل توجد منظومة من:
الدافع + الإدراك + الضمير + المرجعية + القرار + السلوك.
وبالتالي فإن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الدافع عن منظومة التنظيم هذه.
ويمكن تمثيل المسار السوي:
الدافعية → التنظيم → المسؤولية → العلاقة → الفعل
بينما يمكن أن يتخذ المسار المنحرف:
الدافعية → التبرير → اختزال الآخر → الهيمنة → الانتهاك.
ولا يعني هذا أن كل حالة عنف جنسي تمر حرفيًا بالمراحل نفسها؛ وإنما يمثل هذا نموذجًا نظريًا عامًا قابلًا للاختبار والتعديل.
4. الفجور باعتباره اختلالًا في وظيفة الدافع
يحتل مفهوم الفجور موقعًا خاصًا في النموذج الاستخلافي.
فالفجور هنا لا يستخدم فقط بوصفه حكمًا أخلاقيًا على السلوك، وإنما بوصفه مفهومًا يصف الانفصال عن المسار المنظم للدافعية.
وعليه: «ليست المشكلة في وجود الطاقة الغريزية، وإنما في انفصالها عن الغاية التي تنظم استخدامها.»
عندما تصبح الرغبة معيارًا مستقلًا عن إرادة الآخر وكرامته وحدود العلاقة، ينتقل الدافع من مجال العلاقة إلى مجال التعدي.
ومن هنا يصبح الاعتداء الجنسي، وفق النموذج، انحرافًا وظيفيًا في استخدام الدافعية.
5. النموذج الوظيفي الرباعي للعنف الجنسي
يقترح النموذج الاستخلافي أربعة مسارات وظيفية رئيسية يمكن أن تتداخل في السلوك العدواني الجنسي:
أولًا: وظيفة الإشباع
في بعض الحالات يكون الإشباع أو البحث عن الاستثارة جزءًا من الدافع.
لكن هذا العامل لا يكفي وحده لتفسير العنف.
ثانيًا: وظيفة الهيمنة
قد يصبح الاعتداء وسيلة لتحقيق شعور بالقوة أو السيطرة على الآخر.
وهنا يتحول:
الجنس من علاقة إلى سلطة.
ويتحول:
الآخر من ذات إلى موضوع.
ثالثًا: وظيفة التبرير
يحتاج استمرار السلوك العدواني إلى منظومة معرفية تسمح للفرد بتجاوز التناقض بين ما يفعله وما يعرفه عن القاعدة الأخلاقية.
وقد تتخذ هذه المنظومة صورًا متعددة، مثل:
- لوم الضحية؛
- إنكار الضرر؛
- اعتبار الآخر مستحقًا لما حدث؛
- تبرير السيطرة؛
- التقليل من خطورة السلوك.
وهنا يقترح النموذج مفهوم إخراس النفس اللوامة.
رابعًا: وظيفة التنظيم الانفعالي أو التفريغ
قد تؤدي مشاعر مثل الغضب أو الإهانة أو الإحباط أو العار دورًا في بعض الحالات.
لكن يجب التأكيد أن «التفريغ» فرضية وظيفية وليست تفسيرًا عامًا لجميع حالات العنف الجنسي.
6. الهيمنة: عندما يتحول الآخر إلى مجال لإثبات الذات
تمثل الهيمنة إحدى أهم الفرضيات الوظيفية في النموذج الاستخلافي.
فقد لا يكون الهدف الأساسي في بعض حالات الاعتداء هو الإشباع الجنسي، وإنما إنتاج حالة نفسية من:
السيطرة، والإخضاع، والامتلاك، وإثبات القوة.
ويعيد البرادايم الاستخلافي تفسير ذلك من خلال مفهوم اختلال علاقة الإنسان بالآخر.
فالإنسان المستخلف، وفق التصور الاستخلافي، لا يمتلك حق تحويل الآخر إلى وسيلة لتحقيق حاجته الخاصة.
ومن ثم فإن انتهاك جسد الآخر يمثل، في هذا المستوى، انهيارًا في مبدأ الأمانة والكرامة.
وهنا تتقاطع الرؤية الاستخلافية مع نتائج عدد من الدراسات النفسية التي وجدت أن القوة والغضب والسيطرة قد تدخل ضمن دوافع السلوك الجنسي العدواني، دون أن يعني ذلك أن جميع الحالات تشترك في الدافع نفسه.
7. تجريد الآخر من الإنسانية
يمثل اختزال الآخر إلى موضوع حلقة مركزية في النموذج.
فالعنف يصبح أكثر قابلية للوقوع عندما تتراجع في تمثيل الجاني صورة الآخر باعتباره:
- شخصًا مستقلًا؛
- صاحب إرادة؛
- صاحب حدود؛
- صاحب كرامة؛
- متأثرًا بالأذى.
في المقابل، يمكن أن يتحول الآخر إلى:
جسد، أو أداة، أو هدف، أو وسيلة للإشباع أو السيطرة.
ومن المنظور الاستخلافي، يمثل هذا التحول انهيارًا في مبدأ:
«تكريم الإنسان بوصفه إنسانًا.»
ولا ينبغي استخدام هذا المفهوم باعتباره تفسيرًا وحيدًا للعنف، وإنما بوصفه إحدى الحلقات المحتملة في النموذج الوظيفي.
8. التزيين والتسويل: المستوى الديني والمستوى النفسي
يضم البرادايم الاستخلافي مفهوم التزيين الشيطاني ضمن تفسيره لبنية الانحراف.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين:
المستوى الأول: المستوى الديني
يمثل الشيطان في الأنثروبولوجيا القرآنية عنصرًا غيبيًا يرتبط بالإغواء والتزيين والوسوسة.
المستوى الثاني: المستوى النفسي
يمكن دراسة العمليات النفسية المرتبطة بالسلوك من خلال مفاهيم قابلة للرصد، مثل:
- التبرير؛
- فك الارتباط الأخلاقي؛
- إعادة تفسير السلوك؛
- تحيز الانتباه؛
- الإنكار؛
- تقليل الضرر.
ولا ينبغي الخلط بين المستويين.
فالنظرية الاستخلافية تستطيع الاحتفاظ بالمستوى الديني، لكنها لا ينبغي أن تقدم العمليات النفسية المعروفة باعتبارها «إثباتًا علميًا» لوجود العامل الغيبي.
9. النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة: نموذج ديناميكي لا خريطة تشريحية
تستفيد المقاربة الاستخلافية من النموذج الهرمي القرآني للنفس.
لكن ينبغي التأكيد أن:
النفس الأمارة ليست منطقة دماغية.
و: النفس اللوامة ليست مرادفًا للقشرة الجبهية.
و: النفس المطمئنة ليست بنية عصبية محددة.
بل هذه مفاهيم نفسية–أخلاقية–روحية داخل النموذج.
يمكن استخدامها على المستوى الوظيفي لفهم:
الأمارة
النزوع إلى الإشباع والاستجابة للدافع.
اللوامة
المراجعة الأخلاقية والنقد الذاتي والشعور بالمسؤولية.
المطمئنة
حالة أعلى من التكامل والاستقرار والتوافق الداخلي.
وبذلك يستطيع النموذج الاستفادة من علم الأعصاب باعتباره مستوى تفسير إضافيًا دون اختزال البنية القرآنية في التشريح العصبي.
10. هل يمكن ربط النموذج بالبنية العصبية؟
يمكن اقتراح تناظرات وظيفية، لكن لا ينبغي تقديمها كهويات.
فعلى سبيل المثال، يمكن دراسة:
- التنظيم التنفيذي؛
- التحكم في الاندفاع؛
- معالجة المكافأة؛
- الاستثارة الانفعالية؛
- التعاطف؛
- اتخاذ القرار الأخلاقي.
وهذه عمليات ترتبط بشبكات عصبية متعددة.
لكن لا يصح القول إن:
الأمارة = الجهاز الحوفي
أو: اللوامة = القشرة الجبهية
لأن مثل هذه المساواة تتجاوز الأدلة المتاحة.
والصياغة العلمية الأدق هي:
«قد توفر علوم الأعصاب مؤشرات عن الآليات العصبية المرتبطة بالاندفاع والتنظيم الانفعالي واتخاذ القرار، ويمكن للنموذج الاستخلافي أن يستفيد منها بوصفها مستوى تفسير عصبيًا موازيًا، دون اختزال مفاهيمه الأنطولوجية والأخلاقية في مناطق دماغية محددة.»
11. الدين النفسي والطاقة الانفعالية المحتجزة
يقدم مفهوم الدين النفسي في البرادايم الاستخلافي إطارًا لفهم الشعور بالذنب والعار والمسؤولية والصراعات غير المحلولة.
لكن يجب التمييز بين:
الدين النفسي بوصفه بناءً نظريًا
و الطاقة المحتجزة بوصفها استعارة وظيفية.
فلا توجد مبررات علمية كافية للقول إن الصدمات أو الذنب أو الغضب تتخزن حرفيًا في الأنسجة كطاقة يمكنها لاحقًا أن تنفجر في صورة اعتداء.
لذلك يقترح النموذج استخدام مفهوم «الطاقة المحتجزة» بمعنى:
«تراكم انفعالي ومعرفي وسلوكي غير معالج قد يؤثر في التنظيم النفسي واتخاذ القرار والسلوك، بحسب خصائص الفرد والسياق.»
وهذه صياغة تسمح بالحفاظ على المفهوم الاستخلافي دون تحويل المجاز إلى حقيقة فسيولوجية.
12. الفصام الأخلاقي: مفهوم استخلافي لا تشخيص سريري
يستخدم البحث مفهوم الفصام الأخلاقي للدلالة على التباعد بين:
ما يعرفه الفرد بأنه صحيح
و ما يسمح لنفسه بفعله.
ولا يقصد بذلك اضطراب الفصام السريري.
ولهذا فإن الاستخدام الأكاديمي الأدق للمصطلح هو:
«الانقسام الأخلاقي الوظيفي.»
ويظهر عندما:
- يعرف الفرد القاعدة ولكنه يبرر خرقها؛
- يدرك إنسانية الآخر لكنه يختزله؛
- يدرك الضرر لكنه ينكره؛
- يشعر بالذنب لكنه يعيد تفسير الفعل لتجنب المسؤولية.
وهنا تصبح النفس اللوامة عنصرًا حاسمًا في النموذج؛ لأنها تمثل وظيفة المراجعة التي يمكن أن توقف السلسلة قبل تحول الدافع إلى فعل.
13. شبكة الأضلاع الثمانية: من النموذج الخطي إلى النموذج الشبكي
تتيح شبكة الأضلاع الثمانية داخل البرادايم الاستخلافي تصور النفس باعتبارها شبكة من القوى والعلاقات.
فالعنف الجنسي لا يُفترض أن ينتج من ضلع واحد.
بل يمكن أن ينشأ من تفاعل:
الدافعية + الفجور + ضعف المراجعة + التبرير + اختزال الآخر + الاستثارة + السياق + غياب التحويل.
وفي هذا النموذج يصبح «الضلع» علاقة وظيفية وليس مجرد عنصر منفرد.
ومن ثم يمكن تصور مسار الهبوط:
الأمارة → الفجور → التبرير → اختزال الآخر → العدوان.
ومسار التصحيح:
الوعي → اللوامة → الاعتراف → المسؤولية → الجسر السلوكي → التحويل.
أما «الشيطان» فيظل ضمن المستوى الغيبي للنموذج، بينما تُدرس العمليات النفسية المصاحبة له على المستوى القابل للملاحظة والاختبار.
14. المقارنة الإبستمولوجية
البعد| المقاربات الديناميكية| المقاربات البيولوجية| المقاربات النفسية المعاصرة متعددة العوامل| علم النفس الاستخلافي
الدافع| صراعات ودوافع لاواعية بحسب المدرسة| عمليات عصبية وبيولوجية| مجموعة دوافع وعوامل| دافعية ضمن منظومة فطرية وأخلاقية ووجودية
العنف| تعبير عن صراع أو دينامية| عوامل عصبية/هرمونية محتملة| متعدد العوامل| انحراف وظيفي في استخدام الدافع
الآخر| موضوع في بعض النماذج| كائن بيولوجي/اجتماعي| شخص ذو حقوق وحدود| إنسان مكرّم وذو حرمة
الأخلاق| متغير نفسي/اجتماعي| ليست محورًا أساسيًا| عامل معرفي وسياقي| مكوّن بنيوي في تنظيم الدافع
المسؤولية| تختلف باختلاف المدرسة| قد تتأثر بعوامل بيولوجية| مسؤولية مع مراعاة عوامل متعددة| مسؤولية أخلاقية وقانونية مع الاعتراف بالعوامل النفسية
المرجعية| ذاتية أو اجتماعية| مادية/طبيعية غالبًا| متعددة| مرجعية متعالية وفطرية وعقلية
العلاج| تفسير الصراع وتعديله| معالجة عوامل محددة| تقليل الخطورة وتعديل عوامل متعددة| إعادة التنظيم والتحويل والمصالحة والمسؤولية
ولا يعني هذا الجدول أن المقاربات الغربية وحدة واحدة أو أنها تختزل العنف في تفسير واحد؛ بل إن علم النفس الجنائي المعاصر يعتمد نماذج متعددة العوامل.
وتتمثل خصوصية النموذج الاستخلافي في المستوى الأنطولوجي والمرجعي والأخلاقي الذي يعيد من خلاله تركيب هذه العوامل.
15. بروتوكول TLRT: من تفسير الانحراف إلى التحويل
إذا كان النموذج الاستخلافي يفسر السلوك، فإن TLRT يمثل محاولة لنقل النظرية إلى مستوى التدخل.
ولا يعني ذلك أن البروتوكول مثبت سريريًا لمجرمي العنف الجنسي؛ فهذا يتطلب تجارب ودراسات مستقلة.
بل يمكن تقديمه في مرحلته الحالية باعتباره:
«إطارًا علاجيًا–نظريًا يحتاج إلى التحقق التجريبي قبل اعتماده علاجًا مثبت الفعالية لهذا النوع من الاضطرابات أو السلوكيات.»
16. المرحلة الأولى: التشخيص الوظيفي
لا يبدأ TLRT من سؤال:
«ما المرض؟»
فقط.
بل يضيف:
«ما الوظيفة التي يؤديها السلوك؟»
ويبحث عن:
- الدافع الجنسي؛
- دافع السيطرة؛
- الغضب؛
- الانتقام؛
- الإذلال؛
- الاستثارة؛
- التبرير؛
- العوامل السياقية؛
- عوامل الحماية؛
- عوامل الخطورة.
وهذا يسمح ببناء صياغة فردية بدل افتراض وجود نموذج واحد لجميع المعتدين.
17. المرحلة الثانية: تفكيك التبرير
يتم تحليل الأفكار التي تسمح للسلوك بالاستمرار:
ما الذي يعتقده الفرد عن نفسه؟
ما الذي يعتقده عن الضحية؟
كيف يفسر الرفض؟
كيف يفسر القوة؟
كيف يقلل من الضرر؟
ما الذي يمنعه من الاعتراف الكامل بالمسؤولية؟
ويصبح الهدف ليس إذلال الفرد، وإنما تفكيك البنية المعرفية التي تسمح بإعادة إنتاج السلوك.
18. المرحلة الثالثة: استعادة النفس اللوامة
لا تهدف اللوامة إلى إنتاج جلد الذات.
فالذنب الذي لا ينتج إصلاحًا يمكن أن يتحول إلى:
عار → دفاع → إنكار → تبرير.
أما الذنب التحويلي فيتحول إلى:
اعتراف → مسؤولية → إصلاح → التزام.
وهنا يتمايز النموذج الاستخلافي عن المقاربات التي تجعل العقاب النفسي غاية في ذاته.
19. المرحلة الرابعة: الجسر السلوكي والتحويل
يمثل الجسر السلوكي إحدى أهم الإضافات التطبيقية في المشروع.
فالتحول لا يكون بمجرد:
«أنا نادم».
بل: «ما السلوك الذي يثبت أنني تغيرت؟»
ومن هنا:
الندم → مسؤولية → فعل إصلاحي → ممارسة متكررة → بناء نمط جديد.
ويمكن أن تشمل هذه المرحلة، بحسب الحالة والتقييم السريري:
- ضبط المثيرات عالية الخطورة؛
- تطوير مهارات التنظيم الانفعالي؛
- إعادة بناء الحدود؛
- التدريب على التعاطف؛
- تفكيك معتقدات الهيمنة؛
- تطوير بدائل للسلوك العدواني؛
- بناء خطة لمنع الانتكاس.
وهنا يصبح مفهوم «التحويل» مفهومًا سلوكيًا وليس مجرد استعارة روحية.
20. المرحلة الخامسة: المرجعية المتعالية
تمثل المرجعية المتعالية في النموذج الاستخلافي معيارًا يتجاوز الرغبة الذاتية.
فالقاعدة المركزية هي:
«ليست كل رغبة مبررًا للفعل.»
و:«وجود القدرة لا يعني امتلاك الحق.»
و:«كرامة الآخر ليست رهينة برغبة الذات.»
ومن هنا تصبح المرجعية المتعالية، في النموذج، آلية لتقييد التمركز حول الذات وإعادة تنظيم علاقة الإنسان برغباته والآخرين.
لكن ينبغي اختبار هذا البناء تجريبيًا بدل افتراض أن ارتفاع التدين أو الروحانية يؤدي بالضرورة إلى انخفاض العنف.
21. المرحلة السادسة: المسؤولية والمساءلة
هذه مرحلة لا يمكن حذفها من أي نموذج علاجي للعنف الجنسي.
فالمصالحة لا تعني الإعفاء من المسؤولية.
والتوبة لا تعني إلغاء حقوق الضحية.
والتحول الروحي لا يلغي:
- القانون؛
- حماية الضحايا؛
- تقييم الخطورة؛
- منع إعادة الاعتداء؛
- العلاج المتخصص عند الحاجة.
وبالتالي فإن:
«المصالحة التحويلية ≠ التسامح غير المشروط مع السلوك.»
بل:«المصالحة التحويلية = اعتراف + مسؤولية + إصلاح + تغيير سلوكي + حماية الآخرين.»
22. فرضيات البحث المستقبلية
يمكن تحويل النموذج إلى برنامج بحثي تجريبي من خلال اختبار مجموعة من الفرضيات:
الفرضية الأولى
ترتبط معتقدات الهيمنة الجنسية بدرجات أعلى من التبرير المعرفي للعنف الجنسي.
الفرضية الثانية
يرتبط ضعف التنظيم الانفعالي بارتفاع بعض مؤشرات السلوك الجنسي القسري بعد التحكم إحصائيًا في المتغيرات ذات الصلة.
الفرضية الثالثة
يرتبط اختزال الآخر أو انخفاض التعاطف ببعض مؤشرات العدوان الجنسي.
الفرضية الرابعة
يمكن أن تتوسط التبريرات المعرفية العلاقة بين بعض الدوافع أو المعتقدات والسلوك العدواني.
الفرضية الخامسة
قد تعمل «المرجعية المتعالية» كعامل وقائي، إذا أمكن تعريفها وقياسها بصورة سيكومترية مستقلة.
الفرضية السادسة
قد يؤدي تدخل TLRT، بعد تطويره واختباره تجريبيًا، إلى تحسين مؤشرات المسؤولية والتنظيم الانفعالي وانخفاض المعتقدات الداعمة للعنف.
لكن هذه كلها فرضيات بحثية وليست نتائج مثبتة.
23. الضبط السيكومتري للنموذج
إذا أراد علم النفس الاستخلافي تحويل هذا النموذج إلى نظرية قابلة للاختبار، فإنه يحتاج إلى تحويل المفاهيم إلى متغيرات قابلة للقياس.
فعلى سبيل المثال:
المرجعية المتعالية
يمكن تعريفها إجرائيًا باعتبارها قدرة الفرد على استخدام معيار متجاوز للمنفعة الذاتية في تنظيم القرار والسلوك.
اختزال الآخر
يمكن تعريفه إجرائيًا من خلال مؤشرات تقيس:
- نزع الإنسانية؛
- اعتبار الآخر أداة؛
- تجاهل استقلاليته؛
- تبرير انتهاك حدوده.
التبرير الأخلاقي
يمكن قياسه من خلال بنود تقيس:
- لوم الضحية؛
- إنكار الضرر؛
- تقليل المسؤولية؛
- تبرير الهيمنة.
أما الجسر السلوكي فيمكن تحويله إلى مؤشرات سلوكية تتعلق بالقدرة على الانتقال من الاعتراف بالخطأ إلى الفعل الإصلاحي.
وبذلك تنتقل النظرية من:
المفهوم → إلى التعريف الإجرائي → إلى المقياس → إلى الاختبار → إلى النموذج الإحصائي.
24. حدود النموذج
لكي يكون البحث أكاديميًا، ينبغي الاعتراف بحدوده.
أولًا، لا يمكن افتراض وجود سبب واحد للعنف الجنسي.
ثانيًا، لا يمكن اعتبار كل معتدٍ جنسيًا واقعًا تحت نمط نفسي واحد.
ثالثًا، لا يمكن تحويل المفاهيم القرآنية إلى تشخيصات سريرية دون بناء نظري وتجريبي مستقل.
رابعًا، لا يمكن اعتبار «الطاقة المحتجزة» مفهومًا فسيولوجيًا مثبتًا.
خامسًا، لا يمكن إسناد النفس الأمارة أو اللوامة أو المطمئنة إلى مناطق دماغية محددة.
سادسًا، لا يمكن اعتبار TLRT علاجًا مثبتًا للعنف الجنسي قبل إجراء دراسات تجريبية محكمة.
وسابعًا، ينبغي ألا تستخدم النظرية لتفسير الضحية أو تحميلها مسؤولية الاعتداء.
25. القيمة النظرية المحتملة للنموذج الاستخلافي
لا تكمن الأصالة المحتملة لهذا النموذج في اكتشاف أن العنف الجنسي قد يرتبط بالقوة أو الغضب أو التبرير؛ فهذه موضوعات درستها بالفعل مدارس متعددة في علم النفس الجنائي.
وإنما تكمن الأصالة النظرية المحتملة في إعادة تركيب هذه المتغيرات داخل أنطولوجيا مختلفة للإنسان.
فالنموذج الاستخلافي يقول:
الدافع ليس عدوًا.
بل هو طاقة تحتاج إلى تنظيم.
و:الأخلاق ليست طبقة خارجية تضاف إلى النفس.
بل جزء من تنظيمها.
و:الآخر ليس موضوعًا للإشباع.
بل ذات إنسانية ذات كرامة وحدود.
و:المسؤولية ليست نقيضًا لفهم الأسباب النفسية.
بل يمكن الجمع بين فهم الأسباب وتحميل الفرد مسؤولية أفعاله ضمن الإطار القانوني والأخلاقي المناسب.
و:العلاج ليس مجرد كبح السلوك.
بل ينبغي أن يستهدف البنية التي تمنح السلوك وظيفته، مع حماية الآخرين ومنع إعادة الاعتداء.
الخلاصة
يمكن تلخيص الأطروحة المركزية للبحث في الصيغة التالية:
«يفترض علم النفس الاستخلافي أن العنف الجنسي لا ينبغي اختزاله في الدافع الجنسي ذاته، وإنما يمكن فهمه بوصفه انحرافًا وظيفيًا في استخدام الدافعية داخل منظومة نفسية وأخلاقية ووجودية معقدة. وقد تتداخل في هذا الانحراف وظائف الإشباع والهيمنة والتبرير والتنظيم الانفعالي، مع اختزال الآخر وإضعاف المراجعة الأخلاقية. ويقترح البرادايم الاستخلافي فهم هذه العملية من خلال مفاهيم الفطرة، والنفس الأمارة واللوامة والمطمئنة، والمرجعية المتعالية، والأضلاع الثمانية، والدين النفسي، والجسر السلوكي والتحويل. ولا يقدم هذه المفاهيم باعتبارها حقائق تجريبية مثبتة مسبقًا، وإنما باعتبارها بنية نظرية يمكن تحويلها إلى فرضيات ومقاييس واختبارات تجريبية. ومن هذا المنطلق يمثل TLRT محاولة لنقل النموذج من التفسير إلى التدخل، عبر مسار يجمع بين كشف الوظيفة النفسية للسلوك، وتفكيك التبرير، واستعادة المسؤولية، والتحويل السلوكي، وإعادة بناء المرجعية، مع عدم إلغاء المساءلة القانونية أو متطلبات حماية الضحايا ومنع إعادة الاعتداء.»
وبذلك يمكن أن تتمثل الإضافة النوعية للمنظور الاستخلافي في الانتقال من:
««ما الذي يدفع الإنسان إلى الاعتداء؟»»
إلى:
««كيف تنحرف وظيفة الدافع عندما ينفصل الإنسان عن منظومة الفطرة والمرجعية والضمير والكرامة والمسؤولية، وكيف يمكن إعادة تحويل هذه الطاقة إلى سلوك مسؤول؟»»