Article
الخوف الوجودي من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات: قراءة نقدية في أطروحة «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي»
04 oct. 2026
يمثل الخوف المعاصر من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات ظاهرة أعمق من القلق الاقتصادي المرتبط بفقدان الوظائف؛ فهو يتصل بأسئلة السيادة على الذات، وملكية الانتباه، وحدود الهوية الإنسانية، وقدرة الفرد على الاحتفاظ بمعنى أخلاقي في بيئة رقمية تُصمَّم لالتقاط سلوكه وتوقّعه. وتقدّم أطروحة علم النفس الاستخلافي «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي» قراءة استخلافية إسلامية لهذا القلق، إذ تراه «معركة معنى» وجودية لا مجرد أزمة تقنية
الخوف الوجودي من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات: قراءة نقدية في أطروحة «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي»
بقلم عبد السلام الزراع
يمثل الخوف المعاصر من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات ظاهرة أعمق من القلق الاقتصادي المرتبط بفقدان الوظائف؛ فهو يتصل بأسئلة السيادة على الذات، وملكية الانتباه، وحدود الهوية الإنسانية، وقدرة الفرد على الاحتفاظ بمعنى أخلاقي في بيئة رقمية تُصمَّم لالتقاط سلوكه وتوقّعه. وتقدّم أطروحة علم النفس الاستخلافي «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي» قراءة استخلافية إسلامية لهذا القلق، إذ تراه «معركة معنى» وجودية لا مجرد أزمة تقنية.[1][2]
غير أنّ المعالجة الأكاديمية الرصينة تتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات: الوقائع التجريبية القابلة للتحقق في علم الأعصاب واقتصاد المنصات؛ والتحليل النقدي لرأسمالية المراقبة والاستعمار الرقمي؛ والتفسير الاستخلافي الذي يقرأ هذه الظواهر في ضوء النموذج القرآني للنفس (الأمارة، اللوامة، المطمئنة). وهذا التمييز ضروري كي لا تُقدَّم الفرضيات التأويلية بوصفها نتائج عصبية أو اجتماعية مثبتة.
الإشكالية المركزية
يمكن صياغة إشكالية البحث كما يلي: كيف تُعيد الخوارزميات ورأسمالية المنصات تشكيل بنية الانتباه والوعي والسلوك الأخلاقي عند الإنسان المعاصر؟ ثم كيف يمكن قراءة هذا التشكيل بوصفه تهديداً وجودياً للسيادة الإنسانية من منظور علم النفس الاستخلافي؟
وتفترض الأطروحة أن التقنية لا تعمل فقط على «إهدار الوقت»، بل تدخل في عمق البنية الداخلية للنفس عبر ثلاث آليات مترابطة: تضخيم الميول والاندفاعات، وتعطيل المحاسبة الذاتية، وتقديم بدائل زائفة للاطمئنان. غير أنّ هذه الفرضية، وإن كانت قوية تأويلياً، تحتاج إلى تثبيت تجريبي منفصل لكل آلية منها، لا إلى تعميم واحد يشمل الدماغ والنفس والمجتمع معاً.
الإطار المفاهيمي
رأسمالية المراقبة
تصوغ شوشانا زوبوف مفهوم رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism) بوصفه نظاماً اقتصادياً يطالب بالتجربة الإنسانية بوصفها مادة خام مجانية، يحوّلها إلى بيانات سلوكية، ثم إلى «منتجات تنبؤ» تُتداول في «أسواق المستقبل السلوكي» (Behavioral Futures Markets). والخطر هنا ليس جمع البيانات فحسب، بل تحويل السلوك المستقبلي ذاته إلى سلعة يمكن التنبؤ بها وتوجيهها وتسويقها.[3][4][5]
ومن الزاوية الاستخلافية، يعني هذا أن الإنسان يُختزل من خليفة مسؤول يتحمل حرية اختياره ومسؤوليته الأخلاقية، إلى مصدر بيانات ومستهلك رقمي يُدار عبر محفزات مصممة مسبقاً. لكن يجب التنبيه إلى أن وصف زوبوف تحليل نقدي فلسفي-اقتصادي، وليس نظرية نفسية تجريبية؛ لذا فاستخدامُها في تفسير «الخوف الوجودي» يظل تفسيراً بنيوياً لا إثباتاً سببياً مباشراً.
الاستعمار الرقمي واستخلاص البيانات
يربط أدب الاستعمار الرقمي (Digital Colonialism) بين هيمنة المنصات والبنى التحتية الرقمية، وتركّز القوة في شركات ودول الشمال العالمي، واستخلاص البيانات من الأفراد والمجتمعات مقابل منفعة محدودة أو غير متكافئة. ويصف كولدري «الاستعمار البياني» بأنه الجمع بين الممارسات الاستخلاصية الاستعمارية وأساليب الكمّنة الحاسوبية، بحيث يُستغل الفرد من خلال بياناته من أجل الربح.[6][7][8][9]
وبذلك يتسع الإطار من مستوى الفرد إلى مستوى الحضارة: فالمسألة ليست فقط أن يفقد الشخص انتباهه، بل أن تفقد المجتمعات قدراً من سيادتها المعرفية والثقافية والسيادية الرقمية.[8][6]
الخوف من سلب السيادة الوجودية
من الخليفة إلى المادة الخام
يقوم الخوف الوجودي الأول على أن الإنسان لا يُعامل بوصفه موضوعاً أخلاقياً حرّاً، بل بوصفه مصدراً للبيانات. فالتجربة اليومية — البحث، التنقل، التفضيل، الانفعال، العلاقة، وحتى التردد — تصبح قابلة للرصد والتحويل إلى مؤشرات تنبؤية.[4][3]
وفي المنظور الاستخلافي، يمثل هذا انتقاصاً من مركزية الإنسان بوصفه كائناً مكلفاً ومسؤولاً. فالخليفة ليس مجرد مستهلك ذكي، بل ذات قادرة على التمييز بين الحق والباطل، وعلى تحمّل تبعات اختيارها. أما عندما تُدار خياراته عبر استهداف نقاط ضعفه، فإن السؤال الأخلاقي يتحول من: «ماذا يريد الإنسان؟» إلى: «ما الذي يجعل المنصة قادرة على توقع رغبته قبل أن يصرّح بها؟»
التوجيه السلوكي لا الإجبار المباشر
من المهم الدقة هنا: الخوارزمية لا «تجبر» الإنسان غالباً بالمعنى القانوني أو الميكانيكي، بل تعمل عبر هندسة الاختيار والتعزيز المتغير والتخصيص الخوارزمي. وهذا ما يجعلها أخطر أخلاقياً؛ لأنها تحافظ على شكل الحرية الظاهري مع تضييق فضاء الاختيار الواعي فعلياً. وتشير زوبوف إلى أن رأسمالية المراقبة في شكلها الناضج لا تكتفي بالتنبؤ، بل تسعى إلى إعادة توجيه السلوك نحو مصالح السوق.[5][10]
التهديد لبنية الوعي وسيادة الانتباه
التعزيز المتغير والدوبامين
تعتمد كثير من المنصات على مكافآت غير منتظمة: إعجاب، تعليق، إشعار، محتوى مفاجئ، أو تفاعل اجتماعي غير متوقع. وتشير الأدبيات السلوكية والعصبية إلى أن التعزيز بمعدل متغير (Variable-Ratio Reinforcement) من أقوى أنماط التعزيز في إنتاج سلوك متكرر ومقاوم للانطفاء، لأن عدم اليقين في توقيت المكافأة يزيد الدافعية والبحث المستمر.[11][12][13]
غير أنّ العبارة الشائعة «تضخيم الدوبامين» تحتاج إلى ضبط علمي. فالدوبامين لا يعمل أساساً بوصفه «هرمون المتعة»، بل يرتبط بالتوقع، والدافعية، والتعلم من خطأ التنبؤ بالمكافأة (Reward Prediction Error). لذلك، فإن الصياغة الأدق هي: المنصات تستغل نظام التعلم والدافعية الدوباميني، لا أنها تُحدث «إدماناً دوبامينياً» بمعنى حرفي مبسّط.[12][14]
شهوات رقمية ثلاث
يمكن إعادة صياغة ما تسميه الأطروحة «الشهوات الرقمية» في مفاهيم نفسية واجتماعية أكثر قابلية للبحث:
الظاهرة الرقمية الآلية النفسية أو الاجتماعية الأثر المحتمل
شهوة الظهور والتقدير تحويل الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي إلى مؤشرات كمية: متابعون، إعجابات، مشاهدات ارتباط الذات بالتقييم الخارجي، والقلق من التقييم السلبي
شهوة الغضب والاستقطاب تفضيل المحتوى عالي الانفعال لأنه يزيد التفاعل والبقاء داخل المنصة استقطاب معرفي، وتشويش في الحكم، وتصاعد العداء الرمزي
شهوة المقارنة عرض صور مختارة ومُحسّنة لحظات حياة الآخرين مقارنة اجتماعية صاعدة، وشعور بالنقص، وقلق الهوية
وهذه الآليات ليست «شهوات» بالمعنى اللاهوتي المباشر، بل يمكن فهمها بوصفها قنوات يستثمرها التصميم الرقمي لإعادة توجيه حاجات إنسانية مشروعة — كالتقدير والانتماء والمعرفة — نحو دوائر قياس كمي ومقارنة لا تنتهي.
«القرين الرقمي» والمنطقة العمياء
الخوارزمية بوصفها وساطة غير مرئية
يعمل النظام الخوارزمي في خلفية غير مرئية: يحدد ما يظهر، وما يُحجب، وما يُرتّب، وما يُقترح. وهذه الوساطة تخلق ما يمكن تسميته «المنطقة العمياء المعرفية»؛ إذ لا يرى المستخدم عادةً معايير الترتيب، ولا حدود التصفية، ولا منطق التوصية.
ومن منظور الأطروحة، تشبه الخوارزمية وظيفياً «القرين الرقمي»: لا تأمر ولا تُكره، لكنها تراقب، وتتعلم، وتقترح، وتستثمر الميل القائم لدى الفرد. وهذا التشبيه له قيمة تأويلية قوية، لكن يجب تقديمه بوصفه استعارة بنيوية لا ادعاءً بأن الخوارزمية كيان واعٍ أو شيطاني بالمعنى اللاهوتي.
من التوصية إلى تشكيل الأفق
الخطر ليس في أن تقترح الخوارزمية محتوى، بل في أنها قد تعيد تشكيل أفق الإدراك: ما يبدو طبيعياً، وما يبدو مقبولاً، وما يبدو موجوداً أصلاً. فالتكرار الخوارزمي قد يحوّل موقفاً هامشياً إلى «رأي عام» متصور، أو يحوّل انفعالاً فردياً إلى إطار تفسيري جماعي. وهنا يتقاطع التحليل الاستخلافي مع نقد وساطة الخوارزميات في تشكيل الحقيقة والوعي الجمعي.
قتل الصمت الداخلي وDMN
الشبكة الافتراضية الافتراضية للدماغ
تشير الأبحاث إلى أن الشبكة العصبية الافتراضية (Default Mode Network, DMN) ترتبط بالتفكير الذاتي، والتجوال الذهني، واسترجاع الخبرات الشخصية، وتصور المستقبل، والمعالجة المرتبطة بالذات. وهي لا تعمل ببساطة عندما «يصمت الإنسان»، بل تنشط حين ينخفض الانشغال بالمثيرات الخارجية ويتحول الوعي نحو المعالجة الداخلية.[15]
لذلك، فإن الادعاء بأن الإشعارات «تقتل الصمت الداخلي» يحتاج إلى صياغة أدق: الانقطاع المتكرر والتحفيز الخارجي المستمر قد يقلّصان فرص الانشغال بالمعالجة الداخلية والتأمل الذاتي، لكن ذلك لا يعني أن DMN «تُطفأ» نهائياً أو أن الصمت شرط فسيولوجي وحيد لتشغيلها.
من الصمت إلى المحاسبة الأخلاقية
في النموذج الاستخلافي، ترتبط «النفس اللوامة» بالمحاسبة الذاتية والرقابة الأخلاقية. ويمكن القول إن البيئة الرقمية قد تُضعف ظروف ممارستها عبر ثلاثة مسارات:
• الانقطاع المتكرر: كل تنبيه يقطع التأمل ويستدعي استجابة فورية.
• التجزئة المعرفية: المحتوى القصير السريع يشجع على المعالجة السطحية أكثر من التأمل الممتد.
• الإغراق الانفعالي: الغضب والفضول والخوف والمقارنة تشغل الانتباه وتؤخر معالجة الذات وأولوياتها.
لكن يجب الحذر من تحويل هذه الفرضية إلى قول مطلق بأن التكنولوجيا «تقتل الضمير». فالأدق أن التقنية قد تُضعف الظروف المؤسِّسة للمحاسبة الهادئة، بينما تبقى القدرة على المحاسبة قائمة بوصفها قدرة إنسانية قابلة لإعادة التنشيط.
تزييف الاطمئنان والوحدة المتصلة
الاطمئنان الوظيفي الرقمي
يصف مفهوم «الاطمئنان الوظيفي الرقمي» حالة يشعر فيها الفرد بالانشغال أو الامتلاء الظاهري نتيجة التمرير أو المشاهدة أو اللعب أو النقاش، ثم يعود بعد إغلاق الشاشة إلى فراغ أو تعب أو قلق. وهذا مفهوم تأويلي مهم، لكنه يحتاج إلى قياس تجريبي: هل يشعر المستخدمون فعلاً بانخفاض الرفاه بعد الاستخدام؟ وهل يختلف الأثر بحسب نوع المحتوى، ومدة الاستخدام، ودوافع الاستخدام، والشخصية، والعزلة الاجتماعية المسبقة؟
الوحدة المتصلة
يعبّر مفهوم «الوحدة المتصلة» عن مفارقة العصر الرقمي: اتصال تقني دائم من جهة، وتراجع محتمل في العمق الوجداني والعلاقة الحقيقية من جهة أخرى. وهو ليس مرادفاً تلقائياً للعزلة؛ فقد توفّر المنصات دعماً اجتماعياً حقيقياً لبعض الفئات، خصوصاً المهمشين أو البعيدين جغرافياً. لذلك، فإن الأثر يعتمد على نمط الاستخدام: هل هو تواصل هادف وبناء، أم بديل انفعالي عن العلاقة والمشاركة والمعنى؟
حدود «البشري بالخصوص»
مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، يزداد السؤال: ما الذي يبقى للإنسان إذا تفوقت الآلة في الحساب، والتحليل، والكتابة، والتصميم، وحتى بعض أشكال الاستدلال؟
تقدّم الأطروحة إجابة استخلافية: الخصوصية الإنسانية لا تكمن في الأداء المعرفي المجرد، بل في المسؤولية الأخلاقية، والقدرة على التسامي، والعلاقة بالمرجعية المتعالية. وهذه الإجابة فلسفية-لاهوتية أكثر منها إجابة علمية تجريبية؛ لأن مفاهيم «التسامي» و«المرجعية المتعالية» لا تقاس بمعايير الأداء الآلي.
ومع ذلك، يمكن صياغتها بصيغة قابلة للحوار الأكاديمي: الآلة قد تحاكي مخرجات الذكاء، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية بالمعنى الكامل؛ فهي لا تُسأل، ولا تتوب، ولا تختار معنى حياتها، ولا تقف أمام ضميرها. أما الإنسان فحتى عندما يستعين بالآلة، يبقى هو من يتحمل أثر القرار وأخلاقيته.
الآثار الفسيولوجية والسيكوسوماتية
ما يمكن قوله بدقة
يمكن القول إن الاستخدام الرقمي المفرط أو القسري قد يرتبط ببعض المؤشرات الفسيولوجية والنفسية، مثل اضطراب النوم، والتوتر، وتشتت الانتباه، والقلق الاجتماعي، خصوصاً عندما يقترن بالسهر أو التنبيهات الليلية أو المقارنة الاجتماعية أو الضغط المعلوماتي. غير أنّ العلاقة ليست خطية ولا حتمية.
ما يجب تجنّبه علمياً
يحتاج مفهوم «الديون النفسية المحتجزة في الأنسجة» إلى تعريف دقيق قبل استخدامه أكاديمياً. فالحديث عن الكورتيزول والأدرينالين والجهاز السمبثاوي لا يصح أن يُستخدم لتأكيد أن كل اضطراب جسدي — كالقولون العصبي أو الأرق أو الشد العضلي — ناتج مباشرة عن «انحراف النفس عن نظام تشغيلها الفطري». هذه صياغة تأويلية، وليست تفسيراً طبياً مثبتاً.
والصياغة الأكاديمية الأدق هي: قد يسهم التوتر المزمن وضعف النوم والضغط النفسي المرتبط بأنماط الاستخدام الرقمي في تفاقم أعراض جسدية ونفسية لدى بعض الأفراد، عبر مسارات فسيولوجية معقدة تشمل الجهاز العصبي الذاتي ومحور التوتر. أما إسناد الأعراض إلى «ديون نفسية محتجزة» فيحتاج إلى نموذج نظري واضح وأدلة تجريبية مستقلة.
أمل البنية: من الخوف إلى الاستخلاف الرقمي الواعي
تؤكد الأطروحة أن التقوى الفطرية لا يمكن محوها بالبرمجة الرقمية، وأن الإنسان قادر على استعادة سيادة انتباهه عبر «الاستخلاف الرقمي الواعي». وهذا الأمل لا يعني رفض التقنية، بل إعادة إدماجها في إطار أخلاقي يحفظ للإنسان مركزيته ومسؤوليته.[2][1]
ويمكن تفصيل مسار الاستخلاف الرقمي الواعي في مبادئ عملية:
• الوعي بالتصميم: معرفة أن المنصة ليست بيئة محايدة، بل نظام له حوافز اقتصادية وتصميم سلوكي.
• استعادة الانتباه: تقليل التنبيهات غير الضرورية، وتحديد أوقات للانقطاع، وتفضيل الاستخدام الهادف على التمرير التلقائي.
• إعادة بناء الصمت: تخصيص فترات منتظمة للتأمل والقراءة العميقة والصلاة والذكر، بما يعيد فتح فضاء المحاسبة الذاتية.
• التحقق المعرفي: عدم التعامل مع ما تعرضه الخوارزمية بوصفه صورة كاملة للواقع، والبحث عن مصادر متنوعة وموثوقة.
• الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي: اعتبار الأداة مساعداً للإنسان لا بديلاً عن حكمه أو مسؤوليته.
• السيادة الرقمية الجمعية: ربط التزكية الفردية بسياسات تحمي البيانات، وتحد من الاستخلاص غير العادل، وتعزز استقلال المجتمعات رقمياً.[6][8]
تقييم منهجي للأطروحة
الجانب نقاط القوة حدود تحتاج إلى معالجة
الإطار النظري يربط بين النقد الرقمي، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا القرآنية للنفس يحتاج إلى تحديد واضح للعلاقة بين المفاهيم اللاهوتية والمفاهيم العلمية
رأسمالية المراقبة يتقاطع مع نقد زوبوف لتحويل التجربة الإنسانية إلى مادة خام [3][4]
يجب عدم اعتبار النقد الفلسفي دليلاً تجريبياً مباشراً
الدوبامين والتعزيز يستند إلى آليات معروفة في التعلم والدافعية [11][12]
ينبغي تجنب تبسيط الدوبامين بوصفه «هرمون الإدمان»
DMN والصمت يستند إلى دور DMN في التفكير الذاتي والتجوال الذهني [15]
لا يصح القول إن الصمت هو الشرط الوحيد لتشغيلها
الاستخلاف الرقمي الواعي يقدم بديلاً إيجابياً لا مجرد رفض تقني يحتاج إلى بروتوكولات قابلة للقياس والتجريب
الآثار الجسدية يفتح باباً لدراسة العلاقة بين الضغط الرقمي والصحة النفسية-الجسدية يحتاج إلى أدلة سريرية ووبائية دقيقة قبل تعميم الأسباب
خلاصة نقدية
تقدّم أطروحة «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي» إسهاماً أصيلاً حين تنقل النقاش من الخوف من البطالة أو الأتمتة إلى الخوف من فقدان السيادة على الذات والانتباه والمعنى. كما تنجح في ربط نقد رأسمالية المراقبة والاستعمار الرقمي بالنموذج القرآني للنفس، فتنتج رؤية أخلاقية-وجودية للتقنية.[9][3][4][6]
لكن رصانة هذا المشروع تتطلب ثلاثة شروط: أولها، الفصل بين الاستعارة التأويلية والنتيجة التجريبية؛ وثانيها، تثبيت الادعاءات العصبية بصياغات دقيقة لا مبالغ فيها؛ وثالثها، تحويل مفاهيم مثل «الاستخلاف الرقمي الواعي» و«التوبة الرقمية» إلى أدوات بحثية قابلة للقياس، مثل مقاييس السيادة على الانتباه، ومؤشرات الاستخدام الهادف، ومقاييس الرفاه النفسي، واختبارات تدخلية تقارن بين أنماط الاستخدام الرقمي المختلفة.
وبذلك يتحول الخوف الوجودي من حالة انفعالية سلبية إلى مدخل نقدي وبنائي: لا لإنكار التقنية، بل لاستعادتها بوصفها أداة في يد الخليفة المسؤول، لا سيّداً جديداً للإنسان.
المراجع
1. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. PublicAffairs. — تعريف رأسمالية المراقبة، والتجربة الإنسانية بوصفها مادة خام، وأسواق المستقبل السلوكي.[3][4][5]
2. Zuboff, S. (2015). “Big Other: Surveillance Capitalism and the Prospects of an Information Civilization.” Journal of Information Technology, 30(1), 75–89. — الأساس النظري لمفهوم رأسمالية المراقبة وإعادة توجيه السلوك.[10]
3. Raichle, M. E., et al. (2001). “A default mode of brain function.” Proceedings of the National Academy of Sciences, 98(2), 676–682. — الاكتشاف التأسيسي للشبكة العصبية الافتراضية.
4. Raichle, M. E. (2015). “The Brain’s Default Mode Network.” Annual Review of Neuroscience, 38, 433–447. — دور الشبكة في التفكير الذاتي والتجوال الذهني.
5. Menon, V. (2023). “20 years of the default mode network: A review and synthesis.” Neuron / PMC. — مراجعة حديثة لدور DMN في التفكير الذاتي، والتجوال الذهني، والمعالجة المرتبطة بالذات.[15]
6. Schultz, W. (2016). “Dopamine reward prediction-error signalling: A two-component response model.” Nature Reviews Neuroscience, 17, 183–195. — الدور الأساسي للدوبامين في التوقع والتعلم وخطأ التنبؤ بالمكافأة.[12]
7. Ferreira, S., et al. (2023). “Engineered highs: Reward variability and frequency as potential drivers of addictive-like behavior.” Addictive Behaviors. — العلاقة بين تغيّر المكافأة وتيرة التعزيز وإمكانية السلوك الإدماني.[11]
8. Couldry, N., & Mejias, U. A. (2019). The Costs of Connection: How Data Is Colonizing Human Life and Appropriating It for Capitalism. Stanford University Press. — الاستعمار البياني واستخلاص الحياة الإنسانية عبر البيانات.[9]
9. Kwet, M. (2019). “Digital colonialism: US empire and the new imperialism in the Global South.” Race & Class, 60(4), 3–26. — الاستعمار الرقمي بوصفه سيطرة على البنى التحتية والمنصات وتدفقات المعلومات.[7]
10. Coleman, G. (2019). “Glitch Feminism / Digital Colonialism and the New Scramble for Africa.” Michigan Journal of Race and Law. — استخلاص بيانات المستخدمين في الجنوب العالمي وتحليلها وملكيتها من أجل الربح والنفوذ.[6]
11. الزراع، عبد السلام. الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي. ضمن مشروع علم النفس الاستخلافي، الموقع الرسمي: zaraapsychology.com. — الأطروحة المصدر للنموذج الاستخلافي: الفطرة المزدوجة، مستويات النفس، المرجعية المتعالية، والاستخلاف الرقمي الواعي.[1][2]
12. Qur’anic conceptual sources: سورة يوسف، الآية 53 («إن النفس لأمارة بالسوء»); سورة القيامة، الآيتان 2–3 («لا أقسم بالنفس اللوامة»); سورة الفجر، الآيتان 27–30 («يا أيتها النفس المطمئنة»). — الأساس القرآني للنموذج الهرمي للنفس المستخدم في الأطروحة.
⁂
1. https://zaraapsychology.com/
2. https://zaraapsychology.com/bibliotheque?type=book
3. https://issc.al.uw.edu.pl/wp-content/uploads/sites/2/2025/07/S_Zuboff-The-Age-of-Surveillance-Capitalism.pdf
4. https://en.wikipedia.org/wiki/The_Age_of_Surveillance_Capitalism
5. https://findingctrl.nesta.org.uk/shoshana-zuboff/
6. https://academic.oup.com/joc/article/75/5/385/8078024
7. https://www.frontiersin.org/journals/education/articles/10.3389/feduc.2026.1720563/full
8. https://www.policycenter.ma/sites/default/files/2025-10/PP_38-25 (Marcus Vinícius De Freitas).pdf
9. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01436597.2023.2166482
10. https://www.jstor.org/stable/26900930
11. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0306460323000217
12. https://ijirt.org/publishedpaper/IJIRT185697_PAPER.pdf
13. https://mindlabneuroscience.com/dopamine-and-social-media/
14. https://netpsychology.org/dopamine-social-media-and-digital-validation/
15. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10524518/
16. https://archive.org/download/zuboff-shoshana.-the-age-of-surveillance-capitalism.-2019/Zuboff, Shoshana.The Age of Surveillance Capitalism.2019.pdf
17. https://www.philosopheasy.com/p/your-behavior-is-being-sold-shoshana
18. https://ensb.dz/wp-content/uploads/2026/06/مطوية-الملتقى-الوطني-لقسم-الفلسفة-الموسوم-ازمة-الانسان-المعاصر-من-الانسان-المفكر-إلى-الانسان-الخوارزمي.pdf
19. https://archive.org/details/Almaarifa00005
20. https://www.ng.ru/authors/56489/articles/paper/
21. https://arabi21.com/story/1719831/الحقيقة-في-زمن-الخوارزميات-الإنسان-بين-الوعي-والأتمتة-قراءة-في-كتاب
22. https://archive.org/details/AAlexandrina-007285
23. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2590291126001105
24. https://journal.ugm.ac.id/globalsouth/article/download/94333/pdf
25. https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=5352498
26. https://neurosity.co/guides/social-media-brain-dopamine-attention
27. https://zenodo.org/records/16020721/files/SIJARAH_Vol_2_No_6_Jul-Aug_25_07.pdf
28. https://savemybrain.in/blogs/resources/dopamine-and-social-media
29. https://yris.yira.org/column/data-colonialism-in-the-global-south-who-owns-asias-digital-future/
بقلم عبد السلام الزراع
يمثل الخوف المعاصر من الذكاء الاصطناعي والخوارزميات ظاهرة أعمق من القلق الاقتصادي المرتبط بفقدان الوظائف؛ فهو يتصل بأسئلة السيادة على الذات، وملكية الانتباه، وحدود الهوية الإنسانية، وقدرة الفرد على الاحتفاظ بمعنى أخلاقي في بيئة رقمية تُصمَّم لالتقاط سلوكه وتوقّعه. وتقدّم أطروحة علم النفس الاستخلافي «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي» قراءة استخلافية إسلامية لهذا القلق، إذ تراه «معركة معنى» وجودية لا مجرد أزمة تقنية.[1][2]
غير أنّ المعالجة الأكاديمية الرصينة تتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات: الوقائع التجريبية القابلة للتحقق في علم الأعصاب واقتصاد المنصات؛ والتحليل النقدي لرأسمالية المراقبة والاستعمار الرقمي؛ والتفسير الاستخلافي الذي يقرأ هذه الظواهر في ضوء النموذج القرآني للنفس (الأمارة، اللوامة، المطمئنة). وهذا التمييز ضروري كي لا تُقدَّم الفرضيات التأويلية بوصفها نتائج عصبية أو اجتماعية مثبتة.
الإشكالية المركزية
يمكن صياغة إشكالية البحث كما يلي: كيف تُعيد الخوارزميات ورأسمالية المنصات تشكيل بنية الانتباه والوعي والسلوك الأخلاقي عند الإنسان المعاصر؟ ثم كيف يمكن قراءة هذا التشكيل بوصفه تهديداً وجودياً للسيادة الإنسانية من منظور علم النفس الاستخلافي؟
وتفترض الأطروحة أن التقنية لا تعمل فقط على «إهدار الوقت»، بل تدخل في عمق البنية الداخلية للنفس عبر ثلاث آليات مترابطة: تضخيم الميول والاندفاعات، وتعطيل المحاسبة الذاتية، وتقديم بدائل زائفة للاطمئنان. غير أنّ هذه الفرضية، وإن كانت قوية تأويلياً، تحتاج إلى تثبيت تجريبي منفصل لكل آلية منها، لا إلى تعميم واحد يشمل الدماغ والنفس والمجتمع معاً.
الإطار المفاهيمي
رأسمالية المراقبة
تصوغ شوشانا زوبوف مفهوم رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism) بوصفه نظاماً اقتصادياً يطالب بالتجربة الإنسانية بوصفها مادة خام مجانية، يحوّلها إلى بيانات سلوكية، ثم إلى «منتجات تنبؤ» تُتداول في «أسواق المستقبل السلوكي» (Behavioral Futures Markets). والخطر هنا ليس جمع البيانات فحسب، بل تحويل السلوك المستقبلي ذاته إلى سلعة يمكن التنبؤ بها وتوجيهها وتسويقها.[3][4][5]
ومن الزاوية الاستخلافية، يعني هذا أن الإنسان يُختزل من خليفة مسؤول يتحمل حرية اختياره ومسؤوليته الأخلاقية، إلى مصدر بيانات ومستهلك رقمي يُدار عبر محفزات مصممة مسبقاً. لكن يجب التنبيه إلى أن وصف زوبوف تحليل نقدي فلسفي-اقتصادي، وليس نظرية نفسية تجريبية؛ لذا فاستخدامُها في تفسير «الخوف الوجودي» يظل تفسيراً بنيوياً لا إثباتاً سببياً مباشراً.
الاستعمار الرقمي واستخلاص البيانات
يربط أدب الاستعمار الرقمي (Digital Colonialism) بين هيمنة المنصات والبنى التحتية الرقمية، وتركّز القوة في شركات ودول الشمال العالمي، واستخلاص البيانات من الأفراد والمجتمعات مقابل منفعة محدودة أو غير متكافئة. ويصف كولدري «الاستعمار البياني» بأنه الجمع بين الممارسات الاستخلاصية الاستعمارية وأساليب الكمّنة الحاسوبية، بحيث يُستغل الفرد من خلال بياناته من أجل الربح.[6][7][8][9]
وبذلك يتسع الإطار من مستوى الفرد إلى مستوى الحضارة: فالمسألة ليست فقط أن يفقد الشخص انتباهه، بل أن تفقد المجتمعات قدراً من سيادتها المعرفية والثقافية والسيادية الرقمية.[8][6]
الخوف من سلب السيادة الوجودية
من الخليفة إلى المادة الخام
يقوم الخوف الوجودي الأول على أن الإنسان لا يُعامل بوصفه موضوعاً أخلاقياً حرّاً، بل بوصفه مصدراً للبيانات. فالتجربة اليومية — البحث، التنقل، التفضيل، الانفعال، العلاقة، وحتى التردد — تصبح قابلة للرصد والتحويل إلى مؤشرات تنبؤية.[4][3]
وفي المنظور الاستخلافي، يمثل هذا انتقاصاً من مركزية الإنسان بوصفه كائناً مكلفاً ومسؤولاً. فالخليفة ليس مجرد مستهلك ذكي، بل ذات قادرة على التمييز بين الحق والباطل، وعلى تحمّل تبعات اختيارها. أما عندما تُدار خياراته عبر استهداف نقاط ضعفه، فإن السؤال الأخلاقي يتحول من: «ماذا يريد الإنسان؟» إلى: «ما الذي يجعل المنصة قادرة على توقع رغبته قبل أن يصرّح بها؟»
التوجيه السلوكي لا الإجبار المباشر
من المهم الدقة هنا: الخوارزمية لا «تجبر» الإنسان غالباً بالمعنى القانوني أو الميكانيكي، بل تعمل عبر هندسة الاختيار والتعزيز المتغير والتخصيص الخوارزمي. وهذا ما يجعلها أخطر أخلاقياً؛ لأنها تحافظ على شكل الحرية الظاهري مع تضييق فضاء الاختيار الواعي فعلياً. وتشير زوبوف إلى أن رأسمالية المراقبة في شكلها الناضج لا تكتفي بالتنبؤ، بل تسعى إلى إعادة توجيه السلوك نحو مصالح السوق.[5][10]
التهديد لبنية الوعي وسيادة الانتباه
التعزيز المتغير والدوبامين
تعتمد كثير من المنصات على مكافآت غير منتظمة: إعجاب، تعليق، إشعار، محتوى مفاجئ، أو تفاعل اجتماعي غير متوقع. وتشير الأدبيات السلوكية والعصبية إلى أن التعزيز بمعدل متغير (Variable-Ratio Reinforcement) من أقوى أنماط التعزيز في إنتاج سلوك متكرر ومقاوم للانطفاء، لأن عدم اليقين في توقيت المكافأة يزيد الدافعية والبحث المستمر.[11][12][13]
غير أنّ العبارة الشائعة «تضخيم الدوبامين» تحتاج إلى ضبط علمي. فالدوبامين لا يعمل أساساً بوصفه «هرمون المتعة»، بل يرتبط بالتوقع، والدافعية، والتعلم من خطأ التنبؤ بالمكافأة (Reward Prediction Error). لذلك، فإن الصياغة الأدق هي: المنصات تستغل نظام التعلم والدافعية الدوباميني، لا أنها تُحدث «إدماناً دوبامينياً» بمعنى حرفي مبسّط.[12][14]
شهوات رقمية ثلاث
يمكن إعادة صياغة ما تسميه الأطروحة «الشهوات الرقمية» في مفاهيم نفسية واجتماعية أكثر قابلية للبحث:
الظاهرة الرقمية الآلية النفسية أو الاجتماعية الأثر المحتمل
شهوة الظهور والتقدير تحويل الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي إلى مؤشرات كمية: متابعون، إعجابات، مشاهدات ارتباط الذات بالتقييم الخارجي، والقلق من التقييم السلبي
شهوة الغضب والاستقطاب تفضيل المحتوى عالي الانفعال لأنه يزيد التفاعل والبقاء داخل المنصة استقطاب معرفي، وتشويش في الحكم، وتصاعد العداء الرمزي
شهوة المقارنة عرض صور مختارة ومُحسّنة لحظات حياة الآخرين مقارنة اجتماعية صاعدة، وشعور بالنقص، وقلق الهوية
وهذه الآليات ليست «شهوات» بالمعنى اللاهوتي المباشر، بل يمكن فهمها بوصفها قنوات يستثمرها التصميم الرقمي لإعادة توجيه حاجات إنسانية مشروعة — كالتقدير والانتماء والمعرفة — نحو دوائر قياس كمي ومقارنة لا تنتهي.
«القرين الرقمي» والمنطقة العمياء
الخوارزمية بوصفها وساطة غير مرئية
يعمل النظام الخوارزمي في خلفية غير مرئية: يحدد ما يظهر، وما يُحجب، وما يُرتّب، وما يُقترح. وهذه الوساطة تخلق ما يمكن تسميته «المنطقة العمياء المعرفية»؛ إذ لا يرى المستخدم عادةً معايير الترتيب، ولا حدود التصفية، ولا منطق التوصية.
ومن منظور الأطروحة، تشبه الخوارزمية وظيفياً «القرين الرقمي»: لا تأمر ولا تُكره، لكنها تراقب، وتتعلم، وتقترح، وتستثمر الميل القائم لدى الفرد. وهذا التشبيه له قيمة تأويلية قوية، لكن يجب تقديمه بوصفه استعارة بنيوية لا ادعاءً بأن الخوارزمية كيان واعٍ أو شيطاني بالمعنى اللاهوتي.
من التوصية إلى تشكيل الأفق
الخطر ليس في أن تقترح الخوارزمية محتوى، بل في أنها قد تعيد تشكيل أفق الإدراك: ما يبدو طبيعياً، وما يبدو مقبولاً، وما يبدو موجوداً أصلاً. فالتكرار الخوارزمي قد يحوّل موقفاً هامشياً إلى «رأي عام» متصور، أو يحوّل انفعالاً فردياً إلى إطار تفسيري جماعي. وهنا يتقاطع التحليل الاستخلافي مع نقد وساطة الخوارزميات في تشكيل الحقيقة والوعي الجمعي.
قتل الصمت الداخلي وDMN
الشبكة الافتراضية الافتراضية للدماغ
تشير الأبحاث إلى أن الشبكة العصبية الافتراضية (Default Mode Network, DMN) ترتبط بالتفكير الذاتي، والتجوال الذهني، واسترجاع الخبرات الشخصية، وتصور المستقبل، والمعالجة المرتبطة بالذات. وهي لا تعمل ببساطة عندما «يصمت الإنسان»، بل تنشط حين ينخفض الانشغال بالمثيرات الخارجية ويتحول الوعي نحو المعالجة الداخلية.[15]
لذلك، فإن الادعاء بأن الإشعارات «تقتل الصمت الداخلي» يحتاج إلى صياغة أدق: الانقطاع المتكرر والتحفيز الخارجي المستمر قد يقلّصان فرص الانشغال بالمعالجة الداخلية والتأمل الذاتي، لكن ذلك لا يعني أن DMN «تُطفأ» نهائياً أو أن الصمت شرط فسيولوجي وحيد لتشغيلها.
من الصمت إلى المحاسبة الأخلاقية
في النموذج الاستخلافي، ترتبط «النفس اللوامة» بالمحاسبة الذاتية والرقابة الأخلاقية. ويمكن القول إن البيئة الرقمية قد تُضعف ظروف ممارستها عبر ثلاثة مسارات:
• الانقطاع المتكرر: كل تنبيه يقطع التأمل ويستدعي استجابة فورية.
• التجزئة المعرفية: المحتوى القصير السريع يشجع على المعالجة السطحية أكثر من التأمل الممتد.
• الإغراق الانفعالي: الغضب والفضول والخوف والمقارنة تشغل الانتباه وتؤخر معالجة الذات وأولوياتها.
لكن يجب الحذر من تحويل هذه الفرضية إلى قول مطلق بأن التكنولوجيا «تقتل الضمير». فالأدق أن التقنية قد تُضعف الظروف المؤسِّسة للمحاسبة الهادئة، بينما تبقى القدرة على المحاسبة قائمة بوصفها قدرة إنسانية قابلة لإعادة التنشيط.
تزييف الاطمئنان والوحدة المتصلة
الاطمئنان الوظيفي الرقمي
يصف مفهوم «الاطمئنان الوظيفي الرقمي» حالة يشعر فيها الفرد بالانشغال أو الامتلاء الظاهري نتيجة التمرير أو المشاهدة أو اللعب أو النقاش، ثم يعود بعد إغلاق الشاشة إلى فراغ أو تعب أو قلق. وهذا مفهوم تأويلي مهم، لكنه يحتاج إلى قياس تجريبي: هل يشعر المستخدمون فعلاً بانخفاض الرفاه بعد الاستخدام؟ وهل يختلف الأثر بحسب نوع المحتوى، ومدة الاستخدام، ودوافع الاستخدام، والشخصية، والعزلة الاجتماعية المسبقة؟
الوحدة المتصلة
يعبّر مفهوم «الوحدة المتصلة» عن مفارقة العصر الرقمي: اتصال تقني دائم من جهة، وتراجع محتمل في العمق الوجداني والعلاقة الحقيقية من جهة أخرى. وهو ليس مرادفاً تلقائياً للعزلة؛ فقد توفّر المنصات دعماً اجتماعياً حقيقياً لبعض الفئات، خصوصاً المهمشين أو البعيدين جغرافياً. لذلك، فإن الأثر يعتمد على نمط الاستخدام: هل هو تواصل هادف وبناء، أم بديل انفعالي عن العلاقة والمشاركة والمعنى؟
حدود «البشري بالخصوص»
مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، يزداد السؤال: ما الذي يبقى للإنسان إذا تفوقت الآلة في الحساب، والتحليل، والكتابة، والتصميم، وحتى بعض أشكال الاستدلال؟
تقدّم الأطروحة إجابة استخلافية: الخصوصية الإنسانية لا تكمن في الأداء المعرفي المجرد، بل في المسؤولية الأخلاقية، والقدرة على التسامي، والعلاقة بالمرجعية المتعالية. وهذه الإجابة فلسفية-لاهوتية أكثر منها إجابة علمية تجريبية؛ لأن مفاهيم «التسامي» و«المرجعية المتعالية» لا تقاس بمعايير الأداء الآلي.
ومع ذلك، يمكن صياغتها بصيغة قابلة للحوار الأكاديمي: الآلة قد تحاكي مخرجات الذكاء، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية بالمعنى الكامل؛ فهي لا تُسأل، ولا تتوب، ولا تختار معنى حياتها، ولا تقف أمام ضميرها. أما الإنسان فحتى عندما يستعين بالآلة، يبقى هو من يتحمل أثر القرار وأخلاقيته.
الآثار الفسيولوجية والسيكوسوماتية
ما يمكن قوله بدقة
يمكن القول إن الاستخدام الرقمي المفرط أو القسري قد يرتبط ببعض المؤشرات الفسيولوجية والنفسية، مثل اضطراب النوم، والتوتر، وتشتت الانتباه، والقلق الاجتماعي، خصوصاً عندما يقترن بالسهر أو التنبيهات الليلية أو المقارنة الاجتماعية أو الضغط المعلوماتي. غير أنّ العلاقة ليست خطية ولا حتمية.
ما يجب تجنّبه علمياً
يحتاج مفهوم «الديون النفسية المحتجزة في الأنسجة» إلى تعريف دقيق قبل استخدامه أكاديمياً. فالحديث عن الكورتيزول والأدرينالين والجهاز السمبثاوي لا يصح أن يُستخدم لتأكيد أن كل اضطراب جسدي — كالقولون العصبي أو الأرق أو الشد العضلي — ناتج مباشرة عن «انحراف النفس عن نظام تشغيلها الفطري». هذه صياغة تأويلية، وليست تفسيراً طبياً مثبتاً.
والصياغة الأكاديمية الأدق هي: قد يسهم التوتر المزمن وضعف النوم والضغط النفسي المرتبط بأنماط الاستخدام الرقمي في تفاقم أعراض جسدية ونفسية لدى بعض الأفراد، عبر مسارات فسيولوجية معقدة تشمل الجهاز العصبي الذاتي ومحور التوتر. أما إسناد الأعراض إلى «ديون نفسية محتجزة» فيحتاج إلى نموذج نظري واضح وأدلة تجريبية مستقلة.
أمل البنية: من الخوف إلى الاستخلاف الرقمي الواعي
تؤكد الأطروحة أن التقوى الفطرية لا يمكن محوها بالبرمجة الرقمية، وأن الإنسان قادر على استعادة سيادة انتباهه عبر «الاستخلاف الرقمي الواعي». وهذا الأمل لا يعني رفض التقنية، بل إعادة إدماجها في إطار أخلاقي يحفظ للإنسان مركزيته ومسؤوليته.[2][1]
ويمكن تفصيل مسار الاستخلاف الرقمي الواعي في مبادئ عملية:
• الوعي بالتصميم: معرفة أن المنصة ليست بيئة محايدة، بل نظام له حوافز اقتصادية وتصميم سلوكي.
• استعادة الانتباه: تقليل التنبيهات غير الضرورية، وتحديد أوقات للانقطاع، وتفضيل الاستخدام الهادف على التمرير التلقائي.
• إعادة بناء الصمت: تخصيص فترات منتظمة للتأمل والقراءة العميقة والصلاة والذكر، بما يعيد فتح فضاء المحاسبة الذاتية.
• التحقق المعرفي: عدم التعامل مع ما تعرضه الخوارزمية بوصفه صورة كاملة للواقع، والبحث عن مصادر متنوعة وموثوقة.
• الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي: اعتبار الأداة مساعداً للإنسان لا بديلاً عن حكمه أو مسؤوليته.
• السيادة الرقمية الجمعية: ربط التزكية الفردية بسياسات تحمي البيانات، وتحد من الاستخلاص غير العادل، وتعزز استقلال المجتمعات رقمياً.[6][8]
تقييم منهجي للأطروحة
الجانب نقاط القوة حدود تحتاج إلى معالجة
الإطار النظري يربط بين النقد الرقمي، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا القرآنية للنفس يحتاج إلى تحديد واضح للعلاقة بين المفاهيم اللاهوتية والمفاهيم العلمية
رأسمالية المراقبة يتقاطع مع نقد زوبوف لتحويل التجربة الإنسانية إلى مادة خام [3][4]
يجب عدم اعتبار النقد الفلسفي دليلاً تجريبياً مباشراً
الدوبامين والتعزيز يستند إلى آليات معروفة في التعلم والدافعية [11][12]
ينبغي تجنب تبسيط الدوبامين بوصفه «هرمون الإدمان»
DMN والصمت يستند إلى دور DMN في التفكير الذاتي والتجوال الذهني [15]
لا يصح القول إن الصمت هو الشرط الوحيد لتشغيلها
الاستخلاف الرقمي الواعي يقدم بديلاً إيجابياً لا مجرد رفض تقني يحتاج إلى بروتوكولات قابلة للقياس والتجريب
الآثار الجسدية يفتح باباً لدراسة العلاقة بين الضغط الرقمي والصحة النفسية-الجسدية يحتاج إلى أدلة سريرية ووبائية دقيقة قبل تعميم الأسباب
خلاصة نقدية
تقدّم أطروحة «الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي» إسهاماً أصيلاً حين تنقل النقاش من الخوف من البطالة أو الأتمتة إلى الخوف من فقدان السيادة على الذات والانتباه والمعنى. كما تنجح في ربط نقد رأسمالية المراقبة والاستعمار الرقمي بالنموذج القرآني للنفس، فتنتج رؤية أخلاقية-وجودية للتقنية.[9][3][4][6]
لكن رصانة هذا المشروع تتطلب ثلاثة شروط: أولها، الفصل بين الاستعارة التأويلية والنتيجة التجريبية؛ وثانيها، تثبيت الادعاءات العصبية بصياغات دقيقة لا مبالغ فيها؛ وثالثها، تحويل مفاهيم مثل «الاستخلاف الرقمي الواعي» و«التوبة الرقمية» إلى أدوات بحثية قابلة للقياس، مثل مقاييس السيادة على الانتباه، ومؤشرات الاستخدام الهادف، ومقاييس الرفاه النفسي، واختبارات تدخلية تقارن بين أنماط الاستخدام الرقمي المختلفة.
وبذلك يتحول الخوف الوجودي من حالة انفعالية سلبية إلى مدخل نقدي وبنائي: لا لإنكار التقنية، بل لاستعادتها بوصفها أداة في يد الخليفة المسؤول، لا سيّداً جديداً للإنسان.
المراجع
1. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. PublicAffairs. — تعريف رأسمالية المراقبة، والتجربة الإنسانية بوصفها مادة خام، وأسواق المستقبل السلوكي.[3][4][5]
2. Zuboff, S. (2015). “Big Other: Surveillance Capitalism and the Prospects of an Information Civilization.” Journal of Information Technology, 30(1), 75–89. — الأساس النظري لمفهوم رأسمالية المراقبة وإعادة توجيه السلوك.[10]
3. Raichle, M. E., et al. (2001). “A default mode of brain function.” Proceedings of the National Academy of Sciences, 98(2), 676–682. — الاكتشاف التأسيسي للشبكة العصبية الافتراضية.
4. Raichle, M. E. (2015). “The Brain’s Default Mode Network.” Annual Review of Neuroscience, 38, 433–447. — دور الشبكة في التفكير الذاتي والتجوال الذهني.
5. Menon, V. (2023). “20 years of the default mode network: A review and synthesis.” Neuron / PMC. — مراجعة حديثة لدور DMN في التفكير الذاتي، والتجوال الذهني، والمعالجة المرتبطة بالذات.[15]
6. Schultz, W. (2016). “Dopamine reward prediction-error signalling: A two-component response model.” Nature Reviews Neuroscience, 17, 183–195. — الدور الأساسي للدوبامين في التوقع والتعلم وخطأ التنبؤ بالمكافأة.[12]
7. Ferreira, S., et al. (2023). “Engineered highs: Reward variability and frequency as potential drivers of addictive-like behavior.” Addictive Behaviors. — العلاقة بين تغيّر المكافأة وتيرة التعزيز وإمكانية السلوك الإدماني.[11]
8. Couldry, N., & Mejias, U. A. (2019). The Costs of Connection: How Data Is Colonizing Human Life and Appropriating It for Capitalism. Stanford University Press. — الاستعمار البياني واستخلاص الحياة الإنسانية عبر البيانات.[9]
9. Kwet, M. (2019). “Digital colonialism: US empire and the new imperialism in the Global South.” Race & Class, 60(4), 3–26. — الاستعمار الرقمي بوصفه سيطرة على البنى التحتية والمنصات وتدفقات المعلومات.[7]
10. Coleman, G. (2019). “Glitch Feminism / Digital Colonialism and the New Scramble for Africa.” Michigan Journal of Race and Law. — استخلاص بيانات المستخدمين في الجنوب العالمي وتحليلها وملكيتها من أجل الربح والنفوذ.[6]
11. الزراع، عبد السلام. الإنسان المعاصر بين الخوارزمية والوحي. ضمن مشروع علم النفس الاستخلافي، الموقع الرسمي: zaraapsychology.com. — الأطروحة المصدر للنموذج الاستخلافي: الفطرة المزدوجة، مستويات النفس، المرجعية المتعالية، والاستخلاف الرقمي الواعي.[1][2]
12. Qur’anic conceptual sources: سورة يوسف، الآية 53 («إن النفس لأمارة بالسوء»); سورة القيامة، الآيتان 2–3 («لا أقسم بالنفس اللوامة»); سورة الفجر، الآيتان 27–30 («يا أيتها النفس المطمئنة»). — الأساس القرآني للنموذج الهرمي للنفس المستخدم في الأطروحة.
⁂
1. https://zaraapsychology.com/
2. https://zaraapsychology.com/bibliotheque?type=book
3. https://issc.al.uw.edu.pl/wp-content/uploads/sites/2/2025/07/S_Zuboff-The-Age-of-Surveillance-Capitalism.pdf
4. https://en.wikipedia.org/wiki/The_Age_of_Surveillance_Capitalism
5. https://findingctrl.nesta.org.uk/shoshana-zuboff/
6. https://academic.oup.com/joc/article/75/5/385/8078024
7. https://www.frontiersin.org/journals/education/articles/10.3389/feduc.2026.1720563/full
8. https://www.policycenter.ma/sites/default/files/2025-10/PP_38-25 (Marcus Vinícius De Freitas).pdf
9. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01436597.2023.2166482
10. https://www.jstor.org/stable/26900930
11. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0306460323000217
12. https://ijirt.org/publishedpaper/IJIRT185697_PAPER.pdf
13. https://mindlabneuroscience.com/dopamine-and-social-media/
14. https://netpsychology.org/dopamine-social-media-and-digital-validation/
15. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10524518/
16. https://archive.org/download/zuboff-shoshana.-the-age-of-surveillance-capitalism.-2019/Zuboff, Shoshana.The Age of Surveillance Capitalism.2019.pdf
17. https://www.philosopheasy.com/p/your-behavior-is-being-sold-shoshana
18. https://ensb.dz/wp-content/uploads/2026/06/مطوية-الملتقى-الوطني-لقسم-الفلسفة-الموسوم-ازمة-الانسان-المعاصر-من-الانسان-المفكر-إلى-الانسان-الخوارزمي.pdf
19. https://archive.org/details/Almaarifa00005
20. https://www.ng.ru/authors/56489/articles/paper/
21. https://arabi21.com/story/1719831/الحقيقة-في-زمن-الخوارزميات-الإنسان-بين-الوعي-والأتمتة-قراءة-في-كتاب
22. https://archive.org/details/AAlexandrina-007285
23. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2590291126001105
24. https://journal.ugm.ac.id/globalsouth/article/download/94333/pdf
25. https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=5352498
26. https://neurosity.co/guides/social-media-brain-dopamine-attention
27. https://zenodo.org/records/16020721/files/SIJARAH_Vol_2_No_6_Jul-Aug_25_07.pdf
28. https://savemybrain.in/blogs/resources/dopamine-and-social-media
29. https://yris.yira.org/column/data-colonialism-in-the-global-south-who-owns-asias-digital-future/